أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

201

الكامل في اللغة والأدب

أخبار مرداس بن حدير وكان مرداس بن حدير أبو بلال ، وهو أحد بني ربيعة بن حنظلة تعظمه الخوارج ، وكان مجتهدا كثير الصواب في لفظه فلقيه غيلان بن خرشة الضبّيّ فقال : يا أبا بلال إني سمعت الأمير البارحة عبيد اللّه بن زياد يذكر البلجاء وأحسبها ستؤخذ ، فمضى إليها أبو بلال فقال لها : إن اللّه قد وسّع على المؤمنين في التقيّة « 1 » فاستتري فإن هذا المسرف على نفسه الجبار العنيد قد ذكرك ، قالت : إن يأخذني فهو أشقى بي ، فأما أنا فما أحبّ أن يعنّت « 2 » إنسان بسببي . فوجه إليها عبيد اللّه بن زياد فأتى بها فقطع يديها ورجليها ورمى بها في السوق ، فمر أبو بلال والناس مجتمعون فقال : ما هذا ؟ فقالوا : البلجاء ، فعرّج إليها فنظر ثم عض على لحيته وقال لنفسه : لهذه أطيب نفسا عن بقية الدنيا منك يا مرداس . ثم أن عبيد اللّه تتبع الخوارج فحبسهم وحبس مرداسا . فرأى صاحب السجن شدة اجتهاده وحلاوة منطقه ، فقال له : أين أرى لك مذهبا حسنا وإني لأحبّ أن أوليك معروفا ، أفرأيت إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدّلج « 3 » إليّ ؟ قال : نعم . فكان يفعل ذلك به . ولجّ عبيد اللّه في حبس الخوارج ، وقتلهم فكلّم في بعض الخوارج ، فلجّ وأبى وقال : أقمع النفاق قبل أن ينجم . لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع . فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشرط . فقال ابن زياد : ما أدري ما أصنع بهؤلاء ! كلّما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتكوا بقاتله ، لأقتلنّ من في حبسي منهم . فأخرج السّجان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل وأتى مرداسا الخبر فلما كان السحر تهيأ للرجوع . فقال له أهله : اتق اللّه في نفسك فإنك إن رجعت قتلت ! فقال : إني ما كنت لألقى اللّه غادرا ، فرجع إلى السجان فقال : إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك فقال : أعلمت ورجعت ؟ !

--> ( 1 ) التقية : الخفية . ( 2 ) أن يعنت : أن يدخل عليه الضرر . ( 3 ) اتدلج : بالتشديد : أتسير في الليل .