أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
202
الكامل في اللغة والأدب
ويروى أن مرداسا مرّ بأعرابي يهنأ بعيرا [ 7 ] له فهرج البعير « 1 » فسقط مرداس مغشيا عليه ، فظن الاعرابي أنه قد صرع فقرأ في أذنه . فلما أفاق قال له الاعرابي : قرأت في أذنك . فقال له مرداس : ليس بي ما خفته عليّ ولكني رأيت بعيرك هرج « 2 » من القطران فذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت . فقال : لا جرم والله لا فارقتك أبدا . وكان مرداس قد شهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه ، وأنكر التحكيم وشهد النهر ونجا فيمن نجا ، فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جد ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج . فقال لأصحابه : إنه واللّه ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين ، تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفصل . واللّه إن الصبر على هذا لعظيم ، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ولكنّا ننتبذ عنهم ولا نجرّد سيفا ولا نقاتل إلّا من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريميّ ، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى فولّوا أمرهم مرداسا . فلما مضى بأصحابه لقيه عبد اللّه بن رباح الأنصاريّ . وكان له صديقا ، فقال له : أين تريد ؟ قال : أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة . فقال له : أعلم بكم أحد ؟ قال : لا . قال فارجع . قال أو تخاف عليّ مكروها ؟ قال نعم وأن يؤتي بك ، قال فلا تخف فإني لا أجرّد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلّا من قاتلني . ثم مضى حتى نزل اسك - وهو ما بين رامهرمز وأرّجان - فمر به مال يحمل لابن زياد وقد قارب أصحابه الأربعين ، فحطّ ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه وردّ الباقي على الرسل ، وقال : قولوا لصاحبكم إنما قبضنا أعطياتنا فقال بعض أصحابه فعلام ندع الباقي فقال : إنهم يقسمون ، هذا ألفي ، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم . ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترت منها قوله : أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى * ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
--> ( 1 ) هرج : تحير من شدة الحر وثقل الحمل . ( 2 ) النزاهة : البعد عن النقائص والتجافي عن المعاصي .