أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
184
الكامل في اللغة والأدب
السنا ضوء النار وهو مقصور . قال اللّه عز وجل يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ « 1 » والسناء من الشرف ممدود . قال حسّان بن ثابت : وانّك خير عثمان بن عمرو * وأسباها إذا ذكر السناء والبكاء يمد ويقصر ، فمن مدّ فإنما جعله كسائر الأصوات ، ولا يكون المصدر في معنى الصوت مضموم الأول إلا ممدودا لأنه يكون على فعال ، وقلّما يكون المصدر على فعل ، وقد جاء في حروف نحو الهدى والسّرى وما أشبهه وهو يسير . فأما الممدود فنحو العواء والدعاء والرغاء والثغاء ، فكذلك البكاء ونظيره من الصحيح الصراخ والنباح ومن قصر فإنما جعل البكاء كالحزن ، وقد قال حسّان فقصر ومدّ : بكت عيني وحقّ لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل « 2 » وقال جرير : قالوا نصيبك من أجر فقلت لهم * كيف العزاء « 3 » وقد فارقت أشبالي هذا سواده يجلو مقلتي لحم « 4 » * باز يصرصر فوق المرقب العالي فارقته حين غضّ الدهر من بصري * وحين صرت كعظم الرمّة البالي ( نصيبك بالنصب لا غير لأنه مفعول بإضمار فعل تقديره احفظ نصيبك أو احرز نصيبك ) . قوله يجلو مقلتي لحم شبّه مقلتيه بمقلتي البازي ويقال طائر لحم من هذا ، وقوله يصرصر ، يعني يصوّت . يقال صرصر البازي والصقر وما كان من سباع الطير ، ويقال صرصر العصفور وأحسبه مستعارا لأن الأصل فيه
--> ( 1 ) سورة النور : الآية 43 . ( 2 ) العويل : اسم من قولهم أعول عليه أعوالا إذا رفع الصوت بالبكاء والصياح . ( 3 ) العزاء : بالفتح الصبر . ( 4 ) لحم : أكول اللحم ، أو القرم إليه .