أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )

110

الكامل في اللغة والأدب

وامتهن في حاجتنا نفسه . فقال الرجل : إن السّؤدد فيكم لغال . ولسلم يقول القائل : يسوّد أقوام وليسوا بسادة * بل السّيد المعروف سلم بن نوفل قال معاوية لعرابة بن أوس بن قيظيّ الأنصاريّ : بم سدت قومك ؟ فقال : لست بسيدهم ولكني رجل منهم فعزم عليه . فقال : أعطيت في نائبتهم وحلمت عن سفيههم وشددت على يدي حليمهم فمن فعل منهم مثل فعلي فهو مثلي ، ومن قصّر عنه فأنا أفضل منه ، ومن تجاوزه فهو أفضل مني وكان سبب ارتفاع عرابة أنه قدم من سفر فجمعه الطريق والشّماخ بن ضرار المري . فتحادثا فقال له عرابة : ما الذي أقدمك المدينة ، قال قدمت لأمتار « 1 » منها . فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بغير ذلك . فقال الشّماخ : رأيت عرابة الأوسيّ يسمو * إلى الخيرات منقطع القرين « 2 » إذا ما راية رفعت لمجد * تلقّاها عرابة باليمين « 3 » إذا بلّغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين « 4 » ومثل سراة قومك لم يجاروا * إلى ربع الرّهان ولا الثمين « 5 » قوله : تلقّاها عرابة باليمين ، قال أصحاب المعاني معناه بالقوّة وقالوا : مثل ذلك في قول اللّه عزّ وجل : وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 6 » وقد أحسن كلّ الإحسان في قوله : إذا بلّغتني وحملت رحلي * عرابة فاشرقي بدم الوتين

--> ( 1 ) أمتار : أجلب الطعام لأهلي . ( 2 ) القرين : الصاحب . ( 3 ) كناية عن القوة والرغبة ، يقول إذا ظهرت راية المجد والشرف رأى طريقة إليه باد واستيق بعزم وقوة . ( 4 ) الوتين : عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه وهذا الكلام كناية عن الهلاك والدعاء عليها بالموت لأنه لا يحتاج إليها بعد . ( 5 ) الثمين : لغة في الثمن . ( 6 ) سورة الزمر : الآية 67 .