أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
111
الكامل في اللغة والأدب
يقول : لست أحتاج إلى أن أرحل إلى غيره ، وقد عاب بعض الرّواة قوله ؛ فاشرقي بدم الوتين ، وقال : كان ينبغي أن ينظر لها مع استغنائه عنها ، فقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم للأنصارية المأسورة بمكة وقد نجت على ناقة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : يا رسول اللّه إني نذرت إن نجوت عليها أن أنحرها . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لبئس ما جزيتها ، وقال : لا نذر في معصية ولا نذر للانسان في غير ملكه . ومما لم يعب في هذا المعنى قول عبد اللّه بن رواحة الأنصاريّ لما أمّره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد زيد وجعفر على جيش مؤتة « 1 » : إذا بلّغتني وحملت رحلي * مسيرة أربع بعد الحساء فشأنك « 2 » فانعمي وخلاك ذمّ * ولا أرجع إلى أهلي ورائي الحساء جمع حسي وهو موضع رمل تحته صلابة ، فإذا مطرت السماء على ذلك الرمل نزل الماء فمنعته الصّلابة أن يغيض ، ومنع الرمل السّمائم أن تنشفه ، فإذا بحث ذلك الرمل أصيب الماء يقال حسي وأحساء وحساء ممدودة . وقوله : ولا أرجع إلى أهلي ورائي مجزوم لأنه دعاء ، فقوله لا هي الجازمة له ومعناه ، اللهم لا أرجع كما تقول ، يقول زيد ولا يغفر اللّه له فهذا الدعاء ينجزم بما ينجزم به الأمر والنهي ، كما تقول زيد ليقم وزيد لا يبرح وقد اتّبع ذو الرمّة الشّماخ في قوله : إذا ابن أبي موسى بلالا بلغته * فقام بفأس بين وصليك جازر « 3 » الوصل المفصل بما عليه من اللحم يقال قطع اللّه أوصاله ويقال وصل وكسر وجدل في معنى واحد .
--> ( 1 ) مؤتة : بالضم . موضع بمشارف الشام قتل فيه جعفر بن أبي طالب وفيه كانت تشتهر صناعة السيوف . ( 2 ) فشأنك : أي اذهبي وشأنك وانعمي بالا واستريحي من عناء السفر وقد برئت من الذم ثم دعا اللّه سبحانه ألا يرجع إلى أهله خرجا بالشهادة في سبيله ومؤشرا لها على الرجوع . ( 3 ) هذا دعاء عليها بالموت والهلاك والفأس حديده معروفة .