أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
41
قهوة الإنشاء
الحمد للّه الذي رفع لأهل النظر علما تعرّفوا « 1 » بعد التّنكير بمعرفته ، ومد نظره الكريم من الأزهر إلى الأموي فتليت محامده بقبلته ، وتسلسل حديثه بهذا الجامع الكبير فأكرم بسنده العالي ورفعته . نحمده حمد من انتصب لرفع بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ « 2 » . ونشكره شكر من أحسن نظامه في هذه البيوت التي نسجد « 3 » في القبلة عند إيرادها ونركع « 4 » ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له شهادة عالية المنار ، اللّه أكبر وما برح قائلها يترقّى إلى أعلى الدرج في الليل والنهار ، وكيف لا وهي القبلة التي تطعن الأعداء بمحرابها ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي حرضنا على عمارة بيوت اللّه ، لا سيما بالذكر الذي تلثم به خدود أعتابها ، وهو الذي أنزل عليه : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها « 5 » ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه ، صلاة ترشدنا إلى ما ندبنا إليه ، وحرّض الأمة التي هي سادة الأمم عليه ، وسلم تسليما . وبعد ، فإن إطلاق النظر في مصالح الأمة بعين البصيرة ، يزيل الشكّ ويترك العيون بعين اليقين قريره ، لا سيما القيام برفع القواعد من بيوت اللّه ، ولم شمل المسلمين بعد التفريق بجامع يتفقهون به في كتاب الطهارة وباب المياه ، ويجهرون في محرابه ومنارته على كلا الحالين بالصلاة ، وتعرف مزيّة العلماء في بديع هذا البيت بالتصدير ، ويرفعون أعلام العلم ويزيلون ما أبهم على هذه الأمة بالتفسير ، وتغرّد سواجع الخطب على أفنان المنابر ، ويغازلنا وجه العبادة بالبهجة وحسن الناظر ، ويصير لسكب الماء بصحته حلاوة طاهرة ، وتتفقه قناديله بالتسلسل والدور فتزيل ظلمة الإشكال بأنوارها الزاهرة ، وينبسط « 6 » بساط الأنس بحضرته ، ويأتي العاصي طائعا لدوس البساط ، ويباشر الأرض في تقبيله بجبهته ، وترفع أدعية الطلبة لسلطانها الذي هو شيخ الإسلام ، وتتحرك أعواد المنابر وتتهلّل أوجه المحاريب فرحة بهذا الإمام .
--> ( 1 ) تعرفوا : بر : يعرفوا ؛ ها ، ق : فعرفوا . ( 2 ) سورة النور 24 / 36 . ( 3 ) نسجد : بر ، نب : تسجد ؛ طا ، طب : يسجد . ( 4 ) نركع : طا : يركع . ( 5 ) سورة البقرة 2 / 114 . ( 6 ) وينبسط : طب : وتبسط ، ها : وبسط .