أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

6

قهوة الإنشاء

الزمان وتأريخ الإسلام ، وأشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة من أخلص في حبّ محمد ، وأشهد أنه عبده ورسوله الذي ما غالى فيه ملك إلا وقالت له عين العناية : « أنت المؤيّد » ، صلى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه « 1 » الذين نثروا شمل أعدائه وشعروا « 2 » بشرف بيته فنظموا قواعده ، صلاة تكون لنا صلة وبأجمل العوائد - إن شاء اللّه - عائده . أما بعد ، فنعمنا « 3 » الشريفة اقتضت حكمتها أن تضع كل شيء في محله ، وفضلنا المنيف أبى أن يكون إلا لأهله ، وسرّنا المصون بخل « 4 » أن يجلس إلا في صدور الكرام الكاتبين ، وسلوك آداب خدمتنا لم ينتظم في سلكها إلا من إذا ذكر الأدب كان ملك المتأدبين . وديوان إنشائنا الشريف لم يدوّنه إلا من إذا تكلم كان كل كلمة بديوان ، وإذا كتب ورمّل طاب التغزل في خدود الورد وعوارض الريحان ، وأمثلتنا الشريفة لم يوقّعها إلا من غدا علمه بتوقيعات الرقاع محقّقا ، ولم يغرّد بسجعها إلا من أمسى بنعمنا مطوّقا ، وتأريخنا المؤيدي لم يجدد به عهد بني أيوب ، إلا إذا لمعت بوارق فضله بالديار المصرية قال الناس : « هذا هو البرق الشامي ومفرّج الكروب » . وكان الجناب الكريم العالي القاضوي الناصري محمد بن البارزي الجهني الشافعي ، ضاعف اللّه تعالى نعمته ، هو الذي أودعه اللّه تعالى هذه الأسرار ، وتردد إلى التمسك بآثار ملكنا الشريف فقالت له مصر : « الحمد للّه على طول الأعمار والتردد إلى الآثار » ، وأوصلناه إلى استحقاقه من رتب المعالي ، ورقّيناه إلى درجات الكمال علما أن الكمال ما خرج عن بيته العالي ، لأنه المنشئ الذي ما لابن الصاحب دخول إلى ديوانه ، ولا لابن عبد الظاهر بلاغته وقوة سلطانه ، ولا الشهاب محمود أن باهى كماله في طارفه وتليده ، ولا للقاضي الفاضل شرف ابن البارزي وتمييزه ولو بالغ في كثرة شهوده ، ما نثر في كمام طرسه زهرة إلا عرّفها بندا يديه ذبول زهر المنثور ، ولا قرع أبواب المصطلح إلا فتحت ودخل بيوتها من غير دستور ، ولا قال متسنّما ذروة منبر إلا جاد بألفاظ كأن مزاجها من تسنيم ، قالت البلغاء للفصاحة المحمدية : « ما ثم إلا الرضى والتسليم » ، هذا

--> ( 1 ) وأصحابه : ساقط من طا ؛ طب : صحبه . ( 2 ) شعروا : ها : سعدوا . ( 3 ) فنعمنا : تو ، ها : نعمتنا . ( 4 ) بخل : كذا في لد ؛ مهمل في طا ، طب ؛ با : بجل ؛ تو ، قا ، بر ، ها : يجل .