أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
456
قهوة الإنشاء
أنهاره فلم يبق له مغنى ، وكسر الدفّ لما خرج نهر المغنية عن المغنى ، واستسمع الناس من قال : [ من السريع ] انهض إلى الربوة مستمتعا * تجد من اللذات ما يكفي فالطير قد غنّى على عوده * في الروض بين الجنك والدفّ وأضحت « 1 » أوقات الربوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيره ، ولقد كان أهلها في ظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ « 2 » ، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم ، وضاع من غير تورية عطره الناسم ، ولم ينتظم لزهر المنثور على ذلك الوشي المرقوم رسالة سحرية . وكيف لا وقد محي سجع المطوّق من طروس تلك الأوراق النباتية ، هذا وكم عروس روض قعد لمعصمها النقش فلما انقطع نهرها صحّ أنها كسرت السوار ، وكم دولاب نهر بطل غناه على تشبيب النسيم بالقصب ، وعطلت نوبته من تلك الأدوار ، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا ، وأنشد ولم أجد لي بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا : [ من البسيط ] لم لا أشبّب بالعيش الذي انقرضت * أوقاته وهو باللذات موصول ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه ، وانقطع ظهر ثوره فأهلك الحرث والنسل بقطعه ، وذاب بردا وحمي مزاجه لمّا شعر بالحريق ، ولم يبق في ثغره إلا شنب بدرّ حصبائه ما يبل الريق . وانقطع وقد اعتل « 3 » من غيضه بأناس ، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس . وجرى الدم من شدة الطعن بالقنوات ، وكسرت قناة المزّة فذاقت مر العيش بعد حلاوة تلك القطوف الدانيات . وكسر الخلخال لما قام الحرب على ساقه ، * وسقط رأس كل غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه * « 4 » . وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدر بعد ما كان يصفي لنا قلبه ، * وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبّه * « 5 » ، طال ما كان أهله فاكهين ، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم
--> ( 1 ) وأضحت : ها : وأصبحت . ( 2 ) سورة الواقعة 56 / 30 - 32 . ( 3 ) اعتل : نب : انقطع . ( 4 ) ما بين النجمتين ساقط من طب . ( 5 ) ما بين النجمتين ساقط من تو .