أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
455
قهوة الإنشاء
الحواسّ الخمس وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترق لي دمعه ، وأكلت الأنامل من الأسف لما سمعت بحريق أطراف السبعة ، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسبع المثاني والقرآن العظيم . فكم رأينا بها يعقوب حزن رأى سواد بيته « 1 » فاصفرّ لونه : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ « 2 » . وتغرّبت إلى ظاهر الباب الشرقي فتشرّقت بالدمع من شدة الالتهاب . ولقد كان أهله من دار عنبه وكرومه الكريمة في جنتين من أعناب . وتوصّلت إلى ظاهر كيسان فأنفقت كيس الصبر لما افتقرت « 3 » من دنانير تلك الأزهار « 4 » والدراهم رباها ، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها « 5 » . وكابرت إلى أطراف الباب الصغير فوجدت فاضل النار لم لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها « 6 » . فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر مع محاسنها أسماء ولا الجيدا ، لقد كانت ست الشام فاستعبدها ملك النار حتى صارت جارية سودا . ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام ، وفطم جنين نبتها عن رضاع ندى الغمام فاستسقيت لها بقول ابن أسعد : [ من البسيط ] سقى دمشق وأياما مضت فيها * مواطر السحب ساريها وغاديها ولا يزال جنين النبت ترضعه * حوامل المزن في أحشاء أرضيها فما نضا « 7 » حبّة قلبي لنير بها * ولا قضى نحبه ودّي لواديها ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها * ولا نسيت مبيتي جار جاريها هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها إلى ربوة ذات قرار . وكم كان بها مطرب طير خرج بعد ما كان يطرب على عود وطار ، وبطل الجنك « 8 » لما انقطعت أوتار
--> ( 1 ) سواد بيته : نب : بنيه . ( 2 ) سورة يوسف 12 / 84 . ( 3 ) افتقرت : قا : اقتصرت . ( 4 ) من دنانير تلك الأزهار : تو : من تلك الأزاهر ؛ قا : من ملك تلك الأزهار . ( 5 ) سورة هود 11 / 41 . ( 6 ) سورة الكهف 18 / 49 . ( 7 ) نضا : ها : قضا . ( 8 ) آلة طرب فارسية .