أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

450

قهوة الإنشاء

تطلق أسنّة « 1 » لفظها وتركض في ذلك المضمار ، وتهيم بواديها الذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار ، وينهى بعد أشواق أمست الدموع بها في محاجر العين معثرة ، ولو لم يقر إنسانها بمرسلات الدموع لقلت في حقه : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ « 2 » ، وصول المملوك إلى دمشق المحروسة ، فيا ليته قبض قبل ما « 3 » كتب عليه ذلك الوصول ، ودخوله إليها ولقد واللّه تمنّى خروج الروح عند ذلك الدخول . فنظر المملوك إلى قبّة يلبغا وقد طار بها طير الحمام ، وجنت حولها تلك الأسود الضارية ، فتطيرت في ذلك الوقت من القبة والطير وتعوّذت بالغاشية . ودخلت بعد ذلك إلى القبيبات التي صغّر اسمها لأجل التحبيب ، فوجدتها وقد خلا منها كل منزل كان آنسا بحبيبه ، فأنشد به لسان الحال : « قفا نبك من ذكرى حبيب » . ونظرت بعد القباب إلى المصلّى وما فعلت به سكان تلك الخيام ، والتفتّ إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام : [ من الوافر ] فسال ، وقد وقفت ، عقيق دمعي * على أرض المصلّى والقباب ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق لسكانه الفضا ، فتوهمت أن وادي المصلّى تبدّل بوادي الغضا : [ من الكامل ] فسقى الغضاء وساكنيه وإن هم * شبّوه بين جوانح وقلوب واصطليت النار وقد أرادت سبي ذلك النادي ، فشنّت عليه من فوارس لهيبها الغارة ، وركضت في ميدان الحصى فوجدت أركانه كما قال اللّه تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ « 4 » . ودخلت قصر الحجاج وقد مدّت النار به من غير ضرورة في موضع القصر ، وأصبح أهله في خسر ، وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر ، وتأملت تلك الألسن الجمرية وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع وكلّمت السكان ، وتطاولت بألسنة الأسنّة وانغثام « 5 » الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلموا بكل لسان ، ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد وقد تلا بعد زخرفه في سورة الدخان ، فوجب أن أجرى الدموع على

--> ( 1 ) أسنة : نب : أعنة . ( 2 ) سورة عبس 80 / 17 . ( 3 ) قبض قبل ما : طب : قبل ما ؛ ق : قبض ما . ( 4 ) سورة البقرة 2 / 24 . ( 5 ) انغثام : كذا في تو ؛ طب ، ها : مهمل ؛ نب ، قا : انغتام ؛ ق : انغنام ؛ . وربما الصحيح : « اقتثام » .