أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

451

قهوة الإنشاء

وجيب كل ربع وأنشد : « وقد دخل صبري بعد إنّ في خبر كان « 1 » » : [ من البسيط ] دمع جرى فقضى في الربع ما وجب ووقفت أندب عرصاتها التي قمحت بالبين فخابت « 2 » من أهلها الظنون ، وكم داروا بقمحها خيفة من طاحون النار فلم تسلم فصدّقت المثل بأنّ « القمح يدور ويجيء إلى الطاحون » ، وتطرّقت بعد ذلك إلى الحدّادين وقد نادتهم النار بلسانها من مكان بعيد ، آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ « 3 » . ولقد كان يوم حريقها يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً « 4 » ضج « 5 » المسلمون فيه من الخيفة وقد رأوا سلاسل وأغلالا وسعيرا . هذا وكلما أصليت نار الحريق وشبت نار الحرب ، ذكرت ما أشار به مولانا على المملوك من الإقامة بمصر فأنشدت من شدة الكرب : [ من الكامل ] آها لمصر أين مصر وكيف لي * بديار مصر مراتعا وملاعبا والدهر سلم كيفما حاولته * لا مثل دهري في دمشق محاربا يا مولانا لقد لبست دمشق في هذا المأتم السواد ، وطبخت قلوب أهلها كما تقدم على نارين وسلقوا من الأسنّة بألسنة حداد ، ولقد نشفت عيونهم من الحريق واستسقوا فلم ينشقوا رائحة لغاديه ، وكم رئي في ذلك اليوم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ « 6 » خاشِعَةٌ ، عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ، تَصْلى ناراً حامِيَةً « 7 » . وكم رجل تلا عند لهيب بيته تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ « 8 » ، وخرج هاربا وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ، وشكا الناس من شدة الوهج وهم في الشتاء وصاروا من هذا الأمر يتعجبون ، فقال لهم لسان النار : « أيعجب من الوهج والحريق من هو في كانون ؟ » ، ولعمري لو عاش ابن نباته ورأى هذا الحال ، وما تم على أهل دمشق في كانون لترك رثاء ولده عبد الرحيم وقال : [ من البسيط ]

--> ( 1 ) بعد إن في خبر كان : قا : بعد ان كان في خير كان . ( 2 ) فخابت : تو : فحانت ؛ ق : فخافت . ( 3 ) سورة الكهف 18 / 96 ( 4 ) سورة الانسان 76 / 10 . ( 5 ) ضج : ق : جنح . ( 6 ) يومئذ : ساقط من تو ، نب . ( 7 ) سورة الغاشية 88 / 2 - 3 . ( 8 ) سورة المسد 111 / 1 .