أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

322

قهوة الإنشاء

اللّه تعالى من غيث الرحمة ثراه ، وكما آوى شمل العدل بعد شتاته يجعل الجنة مأواه . قد ألم بدينه وشرح لنا ذلك وناهيك بشرح الإلمام لذلك الإمام ، وحكم بصحته بعد الإعذار إلى كل مدّع . وقد نفّذنا هذا الحكم الذي صدر عن شيخ الإسلام . لما كان الجناب الكريم العالي القاضوي الكبيري العلمي ، مشير الملوك والسلاطين ، وليّ أمير المؤمنين ، داود ابن الكويز - ضاعف اللّه تعالى نعمته - هو المنعوت بهذه الصفات التي كشف الدهر عن محاسنها نقابه ، وخطبه ديوان إنشائنا الشريف فأعلنت كفاءته بالإجابة ، واستحق لدينه وأمانته أن يكون إمام القبلتين ، وفارس الحلبتين ، وعسكري الصناعتين ، وتوثيق عرى المزرّتين « 1 » ، اقتضت آراؤنا الشريفة تقديمه لقبلة هذه الإمامة ، وتشريفه بحلل هذه الكرامة . فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المظفري الشهابي - لا زالت آراؤه الشريفة مسدّدة وأعلامه مرفوعة ، وإذا أعرب عن إنعاماته الشريفة كانت في الإعراب مصروفة غير ممنوعه - أن يفوض للمشار إليه صحابة دواوين الإنشاء الشريف بالممالك الإسلامية المحروسة ، عوضا عن الجناب الكريم الكمالي محمد ابن البارزي ، بحكم انتقاله إلى نظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية . لأنه الكفؤ الذي مدّ نظره في جيوش المسلمين فجمع بين كلمتهم وكفى اللّه المؤمنين القتال ، وكمّل محاسن نظر الجيوش لما كانت وظيفته وما أخرجها عن الكمال ، وكذلك جياد الخيل نسبت إليه فاشتهرت بمعارف وشدة حزم وفضائل . فلا جرم أن شقر الأقلام إذا أجراها في ميادين الطروس فرسّها بأطراف الأنامل . فإنه نظر في تهذيب فرسان القناء « 2 » فتهذبت . فلا غرو إذا انقادت إليه فرسان قصب الأقلام وتأدّبت . وقد ثبت عندنا أنه في عربيات الخيل ويراعات الأقلام حاز قصبات الرهان « 3 » . ودمشق المحروسة أول شهوده فإنها شاهدته على الشقراء والأبلق في الميدان . وكم تطلّبت فحول الرؤساء لحاق أثره ، ويأبى اللّه ما يأتون « 4 » والكرم ، وأهل

--> ( 1 ) كذا في الأصول . ( 2 ) القناء : تو : القتا ؛ ق : القتال . ( 3 ) الرهان : ق : البرهان . ( 4 ) يأتون : قا : يأبون . وهو تضمين بيت من قصيدة للمتنبي في عتاب سيف الدولة الحمداني ، راجع « شرح الديوان » للعكبري ج 4 ص 87 .