أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
323
قهوة الإنشاء
الخيل والليل والبيداء ما برحوا تحت نظره . وقد تقوّى اليوم بدروعه الداودية أهل القرطاس والقلم ، واعتقل كل منهم رمح قلمه وطعن في صدور الأوراق فتكلمت ، وأداروا كئوس الإنشاء فسجعت لهم حمائم السجع على زهر منثورها وهينمت « 1 » . وتزيّن وجه ديوان الإنشاء بهذا الناظر واستوفى ما كان له في ذمة الزمان من الدين . وعلمنا أنه عين الدهر فقلنا له : « ما جئناك إلا بعين » . وكم نظر في رزق الجيش وأفاض عليها نيل أياديه فأنبت فيها الأرزاق ، ولهذا هام دوح الإنشاء إلى غصون أقلامه ليراها في كل حين مثمرة بين الأوراق . فلينظر في ذلك على ما علم من تدبيره الذي نزع ما في صدور القوم من الغلّ فأصبحوا إخوانا ، فإنه ما برح يمهّد في الدولتين قواعد ويقيم أركانا . فمواصيل الأقلام بشّرت أن يدبّ فيها منه نفس صادق فترنمت ، وثغور المحابر علمت أن يصير لها « 2 » من أطراف أنامله البيض شنب فتبسمت . وخدّام السطور والطروس قام في خدمته منها عنبر وكافور . وقال أسود النقس : « واللّه إن العبد بذلك مسرور » ، ولا قلم إلا سجد برأسه في محراب طرسه شكرا ، وغازل بعينه السوداء مائسا فقلنا : « رنا وانثنى كالسيف والصعدة السمرا » ، وعاد شباب أقلام الكرم وكأنّ المشيب في فرعها الأسود قد وخط ، وزهت وجنات الطروس بعوارض السطور وشامات النقط ، وصدّق سيف الجيش رسالة قلم الإنشاء ومال إلى سحر بيانه ، وصدّق القلم « 3 » أيضا رسالة السيف وقصّر من طول لسانه . ولم اللّه في بيت واحد شمل كل منهما ، ويجمع اللّه الشتيتين « 4 » بعد ما ، ونام السيف ملء جفنه ، وأصبح القلم بعد كسره في بسط ، وأصلح الجناب العلمي بينهما وخرج ابن نباته بزخارفه المفتنة من الوسط . فرحم اللّه المقام الوالدي - وفقّه تربه من غيث الرحمة في باب المياه ، فهذه القطوف الدانية من المحاسن ثمرات ما غرسته يداه . والوصايا كثيرة ولكن من دينه وحسن تدبيره تكتسب ، ووصاياه ما برحت مقترنة بالنجاح ونيل الأرب . واللّه تعالى يجعله علما كلما نودي لمهم شريف رفع بذلك النداء ، ويحسن ختامه في الآخرة كما أحسن براعته في الابتداء . بمنه وكرمه إن شاء اللّه تعالى .
--> ( 1 ) هينمت : كذا في طا ، طب ، تو ؛ قا ، ق : هيمت . ( 2 ) لها : طب : لنا . ( 3 ) القلم : ها : العلم . ( 4 ) الشتيتين : ق : الشيبتين .