أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )
114
قهوة الإنشاء
الحمد للّه الذي زاد دواوين الإنشاء في أيامنا الشريفة بهجة وزينا ، وأقر لأهل الأدب في زمان فاضلها وناظرها عينا ، وأوفاهم من جوائز إنعامنا ما كان لهم في ذمة الزمان دينا . * نحمده حمد من سعد في هجرته بمحمد وسما بعلو قدره * « 1 » ، ونشكره شكرا يبتسم كلّ ثغر لبركته وسرّه . ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة يسجع بها على أفنان العبودية سرّا وجهرا ، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أفضل من ترسل ونثر كلام الجهّال نثرا « 2 » ، صلى اللّه عليه وعلى آله وصحبه الذين تواردوا على إنشاء الخيرات بكتابه ورسالته ، وشرّفهم في ديوان السعادة بسرّه وصحابته ، وسلّم تسليما . وبعد ، فمنهل إنعامنا الشريف قد حلّينا لأهل العلم مورده ، لتصير عقود إنشائنا بجواهر ما نثروه منظّمة ومنضّده ، وتصبح الأيام الفاضلية بصاحب ديوانه مجدّده ، ويشرق في أيامنا الزاهرة صبح الأعشى ، وتحلو مواقع التورية بقهوة الإنشاء ، وتطلع كل براعة باستهلالها في أشرف المطالع ، وتسكن النزاهة في طباق البديع للمقابلة ، فينتزه الناظر والسامع ، ويقوم الاستخدام بما يجب عليه من الخدمة ، ويزيل الاقتباس بنوره لأهل التلميح كل ظلمه ، وتجول خيول الاستطراد فتردّ العجز على صدره ، ويحصل لأهل الأدب في زماننا تمكين ، فيظهر الافتنان في نظمه ونثره ، ويصير للمذهب الكلامي « 3 » في أيامنا الشريفة ترشيح ومماثلة ومناسبة ، ويبرز في توشيح التسليم من غير اعتراض ومناقضة ومواربة ، ويجنح العصيان إلى الرجوع والدخول تحت الطاعة ، ويسمع القول بموجبه من غير مراجعة في كل براعة ، ويزول التجاهل بالعارف ، ويصير للتسجيع ترصيع عند إنجازه بالمواقف . وكان المجلس السامي الزيني عبد الرحمن ابن الخراط « 4 » ، أدام اللّه تعالى نعمته ، ممن في حسن بيانه إيضاح وللسرّ إيداع ، وللأدب إليه التفات لأنه بجواهر ترصيعه يشنف الأسماع . وهو الفاضل الذي إذا نظم أزال بسهولة نظمه الإبهام والتوهيم ، وإذا نثر عقود النثر فلا فرق بين عبد الرحمن وعبد الرحيم ، يحسن في المطالعات والأمثلة الشريفة طيّه ونشره ، وهو من الشعراء فما يبعد من القصص إذا علا في تفسيرها أمره .
--> ( 1 ) ما بين النجمتين ساقط من ها . ( 2 ) كذا في جميع النسخ ، وربما كان الأصح : نتر . . . نترا . ( 3 ) الكلامي : ها : الكلام . ( 4 ) الزيني . . . الخراط : طب : فلان .