ابن الجوزي
311
القصاص والمذكرين
يوسف حلّ تكّته فلاح له يعقوب عاضا على يده فانتهى « 1 » ، وأنّه جرى
--> - ولا يجوز من جهة المعنى ؛ لأن الأنبياء منزهون عنه ) وقال ابن كثير في « التفسير » 4 / 31 : ( قد ذكر المفسرون ههنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ، ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس . ويزيد وإن كان من الصالحين لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة . فالأولى أن يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة . . . ) وقال البيضاوي 4 / 88 : ( وما قيل إنه أرسل أوريا إلى الجهاد مرارا وأمر أن يقدم حتى قتل ، فتزوجها هراء وافتراء . ولذلك قال علي رضي اللّه عنه : من حدّث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة ) . وقال الخازن في « تفسيره » 4 / 35 : ( اعلم أنّ من خصّه اللّه بنبوته ، وأكرمه برسالته ، وشرّفه على كثير من خلقه وائتمنه على وحيه ، وجعله واسطة بينه وبين خلقه لا يليق أن ينسب اليه ما لو نسب إلى آحاد الناس لا ستنكف أن يحدث به عنه . فكيف يجوز أن ينسب إلى بعض أعلام الأنبياء والصفوة الأمناء ) . وقد أحسن الأستاذ سيد في تفسير القصة على النحو الآتي في « ظلال القرآن » 23 / 96 - 97 : ( والقضية - كما عرضها أحد الخصمين - تحمل ظلما صارخا مثيرا لا يحتمل التأويل ، ومن ثم اندفع داود يقضي على إثر سماعه لهذه المظلمة الصارخة ؛ ولم يوجه إلى الخصم الآخر حديثا ، ولم يطلب اليه بيانا ، ولم يسمع له حجة ، ولكنه مضى يحكم قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ . . . ويبدو أنه عند هذه المرحلة اختفى عنه الرجلان : فقد كان ملكين جاءا للامتحان ! امتحان النبي الملك ، الذي ولّاه اللّه أمر الناس ، ليقضي بينهم بالحق والعدل ، وليتبينّ الحق قبل إصدار الحكم . وقد اختارا أن يعرضا عليه القضية في صورة صارخة مثيرة ولكن القاضي عليه ألا يستثار ، وعليه ألّا يتعجل . وعليه ألا يأخذ بظاهر قول واحد قبل أن يمنح الآخر فرصة للإدلاء بقوله وحجته ؛ فقد يتغير وجه المسألة كله أو بعضه ، وينكشف أن ذلك الظاهر كان خادعا أو كاذبا أو ناقصا . عند هذا تنبه داود إلى أنه الابتلاء . . . وخاضت بعض التفاسير مع الإسرائيليات حول هذه الفتنة خوضا كبيرا . تتنزه عنه طبيعة النبوة . ولا يتفق إطلاقا مع حقيقتها . حتى الروايات التي حاولت تخفيف تلك الأساطير سارت معها شوطا . وهي لا تصلح للنظر من الأساس ولا تتفق مع قول اللّه تعالى وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ * . . والتعقيب القرآني الذي جاء بعد القصة يكشف كذلك عن طبيعة الفتنة ؛ ويحدد التوجيه المقصود بها من اللّه لعبده الذي ولّاه القضاء والحكم بين الناس : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ . . . ) ( 1 ) انظر « زاد المسير » 4 / 205 وقد نقلنا كلامه في تعليق كتبناه في أول هذا الكتاب . والتكة رباط السراويل .