أحمد بن محمد ابن عربشاه

71

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

والأصل في الولايات والمناصب ؛ التفكر في الخواتيم ، والتأمل في العواقب ، وإلا فليس في ذلك سوى إضاعة العمر والمصير إلى المهالك ، وقلت شعرا : وأسعد من يكسى الولاية من إذا * نضا ثوبها يكسى الثناء المطرزا فلما انتهى الكلام إلى هذا المقام ، ورأى الوزير برأيه المنير ما في هذه الفصول من الفضل دون الفضول ؛ اعترف للحكيم حسيب بالفضل الحسيب والرأي المصيب ، وحسن النصيحة والبيان ، وصحة الدليل والبرهان ، فأذعن للحق وأناب إلى الصدق . وقال : لقد أتيت النصيحة من بابها ، وأوصلتها إلى طلابها ، وكل كلام قررته وبيان حررته ، إنما هو شكر أحرزته ، وطريق سداد بينتها وسبيل رشاد أوضحتها ، وباب صواب فتحته ، وميزان إحسان أرجحته ، وعلى كل عاقل ومستمع وناقل ، أن يقتدى بهذه النصائح ويوصلها إلى السائح والسابح ، ويغنم فوائدها وعوائدها وموائدها « 1 » ، ويعمل بموجبها ولا يخرج عن مذهبها . ثم إن الملك لما أصغى إلى هذا الفصل ، وفهم ما تضمنه من حكمة وفضل ، أفرغ على أخيه وأهله وذويه لباس الإنعام ، ووفّاه بمزيد الإكرام ، وقال : لقد قمت أيها الأخ الشقيق في تدقيق النصح بالتحقيق ، وحللت المشكل وجلوت الطريق ، وأديت حق الفتوة وواجب المروءة وشرائط الأخوة ، والآن قد حكمناك في ولايتنا ، ووليناك على حكامنا وقضاتنا ، وبسطنا يدك في الأقاليم ، وأطلقنا لسانك في التعليم ، فتحكم في الرؤوس والأطراف ، واحكم في الآفاق والأكناف ، واشرع فيما أنت بصدده ، ولا تتقيد بالمخالف ولدده « 2 » ، وكن منشرح الصدر ، قوى الظهر ، قرير العين ، مبسوط اليدين ، مبارك

--> ( 1 ) موائد ، مفردها مائدة ، وقصد الغنيمة . ( 2 ) اللدد : العناد والمخالفة .