أحمد بن محمد ابن عربشاه

70

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فقال ابن آوى : ما أحلى كلامك ، وأعلى في اللطف مقامك وأنزه منادمتك وأفكه مكالمتك ، بالله شنّف « 1 » المسامع فإني لك بقلبي وجوارحي سامع . فقال : مهلا حتى أتذكرها وأتصورها وأتفكرها . وانتهى أمر ابن آوى على تعسه ، وساقه القضاء إلى رمسه ، فوصل إلى الضيعة وقد وقع ابن آوى في ضيعة ، فألح على الحمار . فقال : أخبرني فما بقي لي اصطبار . فقال : قال لي أبى بكلام فصيح عربى : لا تجعل مقامك ومقيلك « 2 » بمكان يكون فيه ابن آوى دليلك ، والذئب فيه جارك وخليلك ، وإن جعلت لك في مثل هذا المكان ساحة ، فما ترى يكون لك فيه من الراحة ، وإن أردت أن تخلص من هذا المكان فانصب الآذان ، وارفع ذكر الله بالأذان ، فإنه ينجيك من الضيق ، ثم رفع عقيرته بالنهيق فسمعه معارفه من الكلاب ، فسارت إليه مستبشرة بحسن الإياب « 3 » ، وسارعت إليه واجتمعت حواليه فما شعر ابن آوى إلا وهو متورط في البلوى ، فطفر للهرب فأدركه من الكلاب الطلب فاحتوشته وانتوشته « 4 » ، واختطفته واقتطفته ووزعته ومزعته ، ومرشته وقرشته ، فلم تبق منه عينا ولا أثرا ، وذهب دمه في تدبيره هدرا . وإنما أوردت هذا المثال ؛ وعرضته على الرأي العال ؛ ليعلم أن الاغترار بالكلام محال والإصغاء إلى الحكايات والقول البطّال ، من غير تنقل من ألفاظها إلى معانيها ، وتأمل في مآل مقاصدها وفحاويها ، والاعتماد على القضايا المزخرفة والركون إلى الأمور المسفسفة « 5 » ، لا يفيد سوى الندم وزلة القدم .

--> ( 1 ) شنف الكلام : أي زينه للسامع . ( 2 ) المقيل : مكان الاستراحة والنوم . ( 3 ) العودة . ( 4 ) أي تناولته . ( 5 ) الحقير منها