أحمد بن محمد ابن عربشاه

576

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم إن العقاب ولّى الحجل ما تحت يده من رقاب ، وقدمه على سائر الخدم ، وصنوف الطير وأجناسه من الأمم ، وجعله الدستور الأعظم ، والوزير المقدم المكرم . وفي هذا المقام ، أمسك الحكيم حسيب عن الكلام ، وختم ما افتتحه من الحكم والأحكام بالدعاء والثناء والصلاة والسلام . قال الشيخ أبو المحاسن ؛ المخجل بأدبه امرأ القيس « 1 » ، وأبا فراس « 2 » : فلما انتهى الحكيم في مقترحه ، وما قصده من بيان محاسنه وملحه ، إلى هذا المحل وفصل من فضله ما أجمل من جمل ، نهض الوزير وقبل قدميه ، واعترف له بالفضل المنعم به عليه ، وأنه مالك أزمة الإنشاء ، وملك الكلام يصرفه كيف شاء وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، وكما أنه شيخ المنقول وأستاذ المقول ، فمن أنوار ألفاظه تنير العقول ومن كنوز عباراته تستخرج جواهر المعقول ، وأما أخوه الملك فطار بسروره به عن سريره ، واتخذه في مهام أموره مقام أميره ، ثم أدت آراء فكرته أن يستعمل أخاه لكشف كربته ، ويمشى في السعي بينه وبين إخوته لرتق ما انفتق ، وسد ما خرقه سيل الحسد فانبثق ، فامتثل أمره العالي ونهض بأمر الله المتعالى ، وأنفق من جواهر أفكاره في سوق المناصحة الرخيص والغالي ، ورصع ما استخرجه من يواقيت تلك من عباراته بما يستعبد عقود اللآلي ، وتعاطى أسباب الإصلاح وساعده لحسن النية وخلوص الطوية السعد والنجاح :

--> ( 1 ) امرؤ القيس ابن حجر الكندي ملك بنى أسد ؛ أشهر شعراء الجاهلية ، وإمام الشعراء ، وحامل لوائهم . صاحب المعلقة الأولى . البداية والنهاية ( 7 / 345 ) . ( 2 ) أبو فراس : ابن عم سيف الدولة الحمداني ، أمير حلب ، وكان أميرا لإمارة منيح . الشاعر الأمير الفارس شعره من أجمل وأحسن أشعار العربية . كان يضارع الشاعر الكبير المتنبي . البداية والنهاية ( 11 / 297 ) .