أحمد بن محمد ابن عربشاه
575
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ونطق بالحق من قال : لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال . فأهل التحقيق وذوو النظر الدقيق ، راقبوا المعاني ولم ينظروا إلى القوالب والمباني ، فإن سليمان عليه السلام وهو ملك الجن والأنام ، والوحش والطير ، والهواء والهوام ، ونبي مرسل ، وملك ذو فضل وسلطان الفصل بالعدل ، استفاد النصائح من نملة ، وجمع هدهده مع ملكة سبأ نملة ، ويوجد في الاسقاط « 1 » ما لا يوجد في الأسفاط « 2 » ، ولقد ينطق بالفوائد من هو كافر وجاحد ، فيؤخذ من أقواله ولا يفتدى بأفعاله . وقد قيل : إن الحسن البصري « 3 » رحمة الله عليه ، دخل صبي مسجده وصلى بين يديه ، فرآه لا يتم سجوده ولا يرضى بصلاته معبوده ، فدعاه وخاطبه وأنكر عليه وعاقبه ، وقال له : تمم سجودك ترض معبودك ، فقال : يا شيخ المتقين هذه سجدات شخص من المؤمنين ، لو سجد إحداها إبليس لآدم لما كان من الملعونين ، ولو سجدها فرعون مرة لكان من المسلمين ، ولم يصر من أهل العناد المطرودين . وقيل : ورأى يوما صبيا ومعه سراج وهو سالك في منهاج ، فسأله عن ناره وما فيها من أنواره ، من أين أخذها وكيف افتلذها ، فلم يجاوبه إلا بإطفاء السراج ، وسؤاله أين ذهب ذلك النور الوهاج ، قل لي أين ذهبت تلك الأنوار ، أقل لك من أين جاءت تلك النار .
--> ( 1 ) الاسقاط : الردىء من متاع البيت . ( 2 ) الأسفاط : الغالي من متاع البيت . ( 3 ) الحسن البصري ؛ من كبار أعلام الزهاد والثقات والتابعين ، ولد بالمدينة وسكن البصرة . إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمانه . وكان أعلم الناس بالحلال والحرام في زمانه ، وكان ورعا فقيها زاهدا . فضائله ومناقبه كثيرة جدا . توفى سنة ( 110 ه ) . سير أعلام النبلاء ( 600 ) .