أحمد بن محمد ابن عربشاه

558

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

بعمل المفسدين جماعة غاروا وثاروا وفاروا ، وانضموا إلى العلامة القاضي صدر الدين قاضيخان ، وأولاده السادة القادة الأعيان ، والحاكم الشهيد الإمام العالم السعيد والإمام ركن الدين إمام زاده واختاروا الموت على الشهادة ، فحملوا على الفئة الطاغية والطائفة الكافرة الباغية ، وقاتلوا حتى قتلوا وإلى جوار الله مقبلين انتقلوا ، فاستشهدوا عن آخرهم ولحق أصاغرهم بأكابرهم . ودخل جنكز خان إلى المدينة وطاف بها على هينة وسكينة حتى انتهى إلى باب الجامع ، مكان نزه وموضع رائع ، ومحل شريف ومعبد واسع ، ولم يكن لذلك البلد الكبير والجم الغفير والجمع الكثير ، والمصر الواسع من الجوامع ، سوى جامع واحد يجمع الصادر والوارد ، ويسع ما شاء الله من الأمم وهذا على مذهب الإمام الأعظم « 1 » ، وهكذا كل أمصار الحنفية في الممالك الشرقية والممالك الهندية ، وغالب البلاد التركية فقال جنكز خان : هذا بيت السلطان ، فقالوا : بيت الرحمن ومأوى عبادة العباد ، والعلماء والزهاد وذوى الطاعة والاجتهاد ، فقال : إن أولى ما أقمنا أفراحنا في بيت من خلق أرواحنا ورزق أشباحنا . ثم ألوى إليه وأقبل عليه ونزل عن دابته ، ودخل الجامع مع جماعته ثم دعا بأمرائه ، وكبراء جنده وزعمائه ، واستدعى الخمور والطبول والزمور ، وهش إلى الكفار وعظمهم ، وبش فرحا واحترمهم ، فسجدوا له منهم الملوك وضربوا له الجنوك ، وعرفوا حقه ورعوا ، ورفعوا بالثناء صوتهم ودعوا ، فأذن لهم بالجلوس وأن تدار عليهم الكئوس ، فجلس كل في مكانه بين أضرابه وإخوانه ، وقام بعض في مقامه في موقف حده واحتشامه ، فتصدر في مجالس العلم والأذكار ومحاريب الصلاة الكفرة الفجار ، ورؤوس المشركين من المغل والتتار ، واستبدلت محافل العلم والتدريس ، بجحافل الشرك والتنجيس .

--> ( 1 ) الإمام الأعظم ؛ أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام المذهب الحنفي ، تقدمت ترجمته .