أحمد بن محمد ابن عربشاه

559

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم أحضروا العلماء والأشراف ، والكبراء ، وسادات الأنام ، ورؤساء الخواص والعوام ، وأنزلوا بهم الثبور والويل ، واحتفظوا بهم واستحفظوهم الخيل ، وصارت الناس حيارى سكارى وما هم بسكارى ، وأخذتهم بهتة إذ أتاهم العذاب بغتة ، ولم يكن بين رحيل السلطان وبين هجوم هذا الطوفان غير خمسة أشهر وأيام ، ساروا فيها سير الغمام وهجموا على العالم هجوم الظلام ، وكأن الناس كانوا نياما ورأوا في منامهم أحلاما ، فلم يوقظهم من هذا الرقاد سوى إبراق البلايا بالإرعاد ، فانسد عليهم طريق الخلاص وخانهم المدد في شدة الاقتناص ، وتنادوا ولات حين مناص ، إذا فارقهم العسكر وهم في حال المضطر . وكان من جملة أولئك الأعيان شخص ولى يدعى السيد الشريف جلال الدين علي بن حسن الزيدي ، وهو المقدم والمقتدى ، والمسلك إلى طريق الهدى ، وأعلى سادات ما وراء النهر ، ولدوحة ساداتها بمنزلة الثمر والزهر ، قد قبض عليه وربطوا إلى عنقه يديه ، ثم استنظروه مراكيبهم ، وأنشبوا فيه مخاليبهم ، وهو واقف بباب الجامع في هيئة الذليل الخاضع ، فرأى الإمام الهمام ، البحر الطام ، علم العلماء الأعلام ، أفضل علماء عصره ، وأنبل فقهاء دهره ، الشيخ ركن الدين ابن الإمام ، بوّأهما الله تعالى دار السلام وهو في مثل حاله ، متيسر بل بسر بال نكاله . فقال : أيها الإمام المفضال ما هذه الأحوال ، ثم أنشد معنى هذا المقال : أرى حالة بذت لساني فليس لي * طريق إلى أنّى أفوه بلفظة أعضّ لها كفّى وامعك مقلتى * أفي النّوم هذا أم أراه بيقظة فأجاب الإمام : ما هذا محل الكلام ، كن عبد الإرادة واتبع ما أراده . واستمروا يشربون الخمور على أصوات الزمور ، ويضربون الطبول ، ويتراقصون رقص التتار والمغول ، ثم صعد المنبر ابن جنكز خان الأكبر