أحمد بن محمد ابن عربشاه
55
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الحاكم بالجور على الرعايا ، أدخل الله النقص في أموالهم ، حتى الزروع والضروع . قال أبوها : فإذا كان الأمر كذلك فلا مقام لنا في هذه الممالك ، فالأولى أن نتحول عن هذا المكان إلى مقام لا يضمر فيه سوء لرعيته السلطان ، ونستريح في ظل حاكمه ونرعى في مسارح مكارمه . كل هذا وبهرام يصغى إلى هذا الكلام . فقالت البنت : إن كان ولا بد من الانتقال واقتعاد مطية الارتحال فما نصنع بهذه الأثقال والأزواد الثقال ، نقدم لهذا الضيف منها يحصل التخفيف عنها ، ويقع بذلك فائدتان ، إحداهما : حسن المضيف . وثانيتهما : التخفيف . فامتثل أبوها أمر بنته ، ونقل إلى الضيف ما حواه ببيته من طعام وشراب ونقل « 1 » وكباب ، وبسط بساط النشاط ، وأخذ في دواعي الانبساط ، وانتقل من المحاشمة إلى المكالمة والمنادمة ، وعمل بموجب ما قيل : وما بقيت من اللذات إلّا * أحاديث الكرام على المدام « 2 » فلما هجم جيش السّكر ، وهزم جند العقل والفكر ، تذكر بهرام مجالسته ومؤانسته فيها ومحادثته وما فيها ، من مغازلة الغزلان ، وأصوات الأغانى والقيان « 3 » ، فأبانت حشمة السلطنة عن مضمرها ، وتفوه بشئ يلوح بمخبرها وشاقت نفسه إلى معتادها فأعرب شطحها عن مرادها ، وقال للرئيس : أيها النديم الكيس ، لو كان لنا من يطربنا بصوته ، ويبهجنا بصورته ، ولو أنها وصيفة أو ذو صورة لطيفة ، ولا نطلب زيادة عن النظر ، وحسن المفاكهة
--> ( 1 ) ما يؤكل على الشراب كالفستق والتفاح . ( 2 ) جلسة الشراب . ( 3 ) القيان ، مفردها قينة : الأمة ذات الصوت الجميل .