أحمد بن محمد ابن عربشاه
49
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
أما أنا فقد بذلت جهدي ، وأديت في النصيحة ما عندي ، وكشفت عن مخدرات « 1 » التحقيق أستار السبك « 2 » ، وكررت على محك التصديق آثار الحك « 3 » ، فإن وعيتم كلامي يسمع حي ، فقد تبين الرشد من الغى ، وإن أعرضتم عن عين اليقين فلا إكراه في الدين . فتصدى الوزير للكلام ، وحسر عن ثغر بيانه اللثام « 4 » ، وبرز في ملابس الملاينة والخداع ، وسلك بخبث الطباع طرق الملاطفة والاصطناع ، ودس السم في الشهد ونزل من اليفاع « 5 » إلى الوهد وقال : الحمد لله الكريم الذي منّ على مولانا الملك بهذا الأخ الحكيم ، الفاضل الحليم ، الكامل العليم ، الناظر في العواقب ، ذي الرأي المصيب والفكر الثاقب ، فلقد بالغ في النصيحة بعباراته الصحيحة ، وإشاراته المليحة وكل شيء أبداه إلى المسامع وأنهاه ، هو الذي يرتضيه العقل ، ويرضيه العدل ويقبله الطبع القويم ؛ إذا هو المنهج المستقيم ، يترتب عليه الذكر الجميل ، ويحصل به الثواب الجزيل ، لكن الذي نعرفه في حفظ الرئاسة وإقامة ناموس السياسة ، هو الذي عليه القوم في هذا اليوم ، وجرت عليه عادات الأكابر ، وانخرط في سلكه الأصاغر « 6 » ، فإن الزمان فسد ، والفضل فيه كسد ، وزاد فيه الحق والحسد ، وتشرب المكر والأذى الروح والجسد ، وكل في الروغان ثعلب ، وفي العدوان أسد ، وصار هذا مقتضى الحال والمحمود من الخصال ، والمطلوب من الرجال . والناس يدورون
--> ( 1 ) مخدرات ، مفردها مخدرة : مستورة . أي ما خفى وستر من الحقائق . ( 2 ) سبك الفضة ، صهرها ووضعها في قالب وأراد : كشف ما خفى من أسرار الصنعة . ( 3 ) الشك . ( 4 ) أي شرع في الكلام . ( 5 ) اليافع : التل المرتفع ، والوهد : المكان المنخفض . والمعنى : نزل من السمو والعلو في مرام الكلام إلى الدنو به . ( 6 ) الأصاغر ، مفردها صغير : الحقير الوضيع .