أحمد بن محمد ابن عربشاه
48
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وقد تعوّضت عن كلّ بمشبهه * فما وجدت لأيام الصّبا عوضا وليس لي عوض إلّا في بقاء ذاتك المحروسة ، ودوام حياتك العزيزة المأنوسة . ثم إني أخاف والعياذ بالله تعالى أن هذه الفتن التي قد أقبلت ، والحركات الداهية التي وجوه الخلاص منها قد أشكلت ، تستأصل شأفة « 1 » أسلافنا الكرام ، وتقرض شرف أجدادنا الملوك العظام ، فاخترت العزلة لذلك فإنها أسلم الطرق والمسالك . قال الملك : لقد صدقت إذ نطقت ، وتحريت الصواب في الخطاب ، وأنا أتحقق حسن نيتك وخلوص طويتك « 2 » ، وحسن وفائك ويمن آرائك ، فإنك أخ شقيق ، وصدوق صديق ، ولكن تعلم أن هذا الوزير رجل خطير ، ورأيه مستنير وفضله غزير ، وهو من أصل كبير ، وله علينا حق كثير ، وأريد أن يقع ما عزمت عليه ، وفوّضت فكرك المصيب إليه ، مع محاورته ومناظرته ومشاورته ، فإن كلا منكما ناصح ، مشفق وحكيم ، مدقق وعالم محقق . وفي مثل هذه الأشياء إذا اتفقت الآراء وطال النفس . تكاشف نور القبس ، وسعد البخت وتمكن التخت « 3 » ، وصح الحق ووضع الصدق ، لا سيما إذا كان الكلام بين عالمين والسؤال والجواب من فاضلين كاملين . قال الحكيم : أيها الملك العظيم ، إذا قام الإنسان في صدد المعارضة ، وتصدى في البحث إلى المعاكسة والمناقضة ، لا سيما إن كان من أهل الفصاحة واللسن ، وساعده في ذلك الإدراك الحسن ، لا يعجز أن يقابل الإيجاب بالسلب . والاستقامة بالقلب ، والعكس بالطرد والقبول بالرد ، ويكفى في جواب المتكلم إذا أورد مسألة لا نسلم ، وقد قيل في الأقاويل : لا تنفع الشفاعة باللجاج « 4 » ، ولا النصيحة بالاحتجاج .
--> ( 1 ) الأصل والجذر . ( 2 ) ما يطويه الإنسان في صدره . ( 3 ) تمكن من الحكم والملك . ( 4 ) الإلحاح .