أحمد بن محمد ابن عربشاه

44

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

غير محلها ، وحرم المستحقون ، وأبطل المحققون . إلى أن وقع الاختلال ، وعم الفساد والضلال ، وقويت أعضاد الظلمة على العباد وسائر القرى والبلاد ، وهذا لا يليق بشرف مولانا الملك ولا بأصله ، ولا يجوز في شرع المروءة أن يكون الظلم طراز عدله ، إذ قدره العلى وأصله الزكي أعظم مقاما من ذلك ، ولا يحسن أن ينتشر إلا صيت رأفته في الممالك ، وعلى الخير مضى سلفه الكرام ، وانطوى على مآثرهم صحائف الأيام ، وقد قيل : فإنّ الظلم من كلّ قبيح * وأقبح ما يكون من النبيه وقيل : ولم أر في عيوب النّاس شيئا * كنقص القادرين على التمام « 1 » ما وسعني إلا الانحياز إلى العزلة ، والتعلق بذيل الانفراد والوحدة ، وما أمكنني أن أعمل شيئا ، ولا أقطع دون العرض على الآراء الشريفة وامتثال ما تبرزه مراسيمها المنيفة ؛ فقد قال الناصح في بعض النصائح : لا تخاطب الملوك فيما لم يسألوك ، ولا تقدم على ما لم يأمروك . فلما أذن في الكلام ، قمت هذا المقام فقلت : قطرة من بحور وذرة من طيور ، ورأيت ذلك واجبا علىّ ونفعه عائدا إلىّ ، وذكرت بعض ما وجب على سائر الناصحين ، ولزم ذكره جميع المسلمين من طريق واحدة ، ولزمني أنا من طرق متعددة ، أدناها طريق المروّة ، وأعلاها بل أغلاها وثيق الأخوة التي هي أقوى الأسباب وأعظم الوصلات في هذا الباب ، فإن لحمة القرابة « 2 » هي السبب الذي لا يقطعه سيف الحدثان « 3 » ، والبنيان الذي لا يهدمه معول الزمان ، وأساس الأخوة عنوان الفتوّة قال الله تعالى ، وعز جمالا وتقدس كمالا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ [ القصص : 35 ] .

--> ( 1 ) البيت من قصيدة للمتنبى . ( 2 ) صلة الرحم . ( 3 ) نوازل الدهر .