أحمد بن محمد ابن عربشاه
43
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
ثم أعلم يا ملك الرقاب أن كلا من الثواب والعقاب له حد معلوم ومقدار مفهوم ينبغي للملك أن لا يتعدى لذلك حدا ، وعلى الملك أن يصغى للنصيحة ممن مودته صحيحة ، وقد جرب منه الصدق ، وعلم منه الإخلاص في النطق ، لا سيما إذا كان ذا عقل صحيح وود صريح ، ولا ينفر من خشونة النصيحة ومرارتها ، فبرودة الخاطر وسلامة القلب حرقة حرارتها . فإن الناصح المشفق كالطبيب الحاذق . فإن المريض الكئيب إذا شكا إلى الطبيب ، شدة ألمه من مرارة فمه ، يصف له دواء مرا فيزيد حرارته حرا ، فلا يجد بدا من شربه ، وإن كان في الحال ينهض بكربه ؛ لعلمه بصدق الطبيب وإنه في الرأي مصيب ، وما قصد بالدواء المر زيادة الضر ، وإنما قصد بألمه عود الحلاوة إلى فمه . ولا يستحقر النصيحة إن كانت صادقة صحيحة ، ولا الناصح خصوصا الرجل الصالح . [ 3 ] [ استشارة سليمان عليه السلام لنملة : ] فإن سليمان وهو من أجل الأنبياء الكرام ، عليهم الصلاة والسلام ، وأحد من ملك الدنيا ، وحكم على الجن والإنس والطير والوحش والهوام ، استشار نملة حقيرة فنجح في أمره وخالف وزيره آصف بن برخيا ؛ فابتلى بفقره وسلب من جميع ما ملك ، وصار كما قيل : أجير لصياد السمك « 1 » . ثم قال الحكيم حسيب : أيها الملك الحسيب وأنا لما رأيت أمور المملكة قد اختلت ، ومباشرى مصالح الرعية قلوبهم اعتلت ، ولعبوا بالثقيل والخفيف ، واستطال القوى منهم على الضعيف ، ومدوا أيديهم إلى الأموال بالباطل وأظهروا الحالي « 2 » في حلية العاطل ، وخرجوا عن دائرة العدل ، وأطرحوا أهل العلم والدين والفضل ، وتولى المناصب غير أهلها ، ونزلت المراتب إلى
--> ( 1 ) قصة سليمان عليه السلام . وهي قصة أوردها الطبري في تاريخه ، وهي من مقولات أهل الكتاب ولم يصح فيها عن المعصوم صلى اللّه عليه وسلم خبر . ( 2 ) الحالي : هو التزين بالحلى ، والعاطل من نزح عنه الحلى . والمراد إظهار الباطل في صورة الحق .