أحمد بن محمد ابن عربشاه

40

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وروى أن ذلك السيد السديد الكامل المكمّل الرشيد ، أتى برجل فكلمه فأرعد فقال : « هون عليك فإني لست بملك ولا جبار ، وأنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد « 1 » » . ومن جملة حسن الخلق العدل والشفقة على الرعية والفضل . وإذا حسن خلق الملوك العلية ؛ صلحت بالضرورة الرعية طائعة أو كارهة وسعت في ميدان الطاعة فارهة . فإن الناس على دين ملوكهم وسالكون طرائق سلوكهم . وأرذل عادة الملوك الطيش والخفة ، وأن يكون ميزان عقله خالى الكفة ، وإن عدم الثبات والوقار من عادة الأطفال والصغار . والرجل الخفيف القليل الحيلة ، لا يقدر على تدبير الأمور الجليلة ، ولا باب يوجد له ولا طاقة للدخول في الأشغال الشاقة ، ولا يستطيع أن يتحمل ثقل الرئاسة ويتعاطى الإيالة « 2 » والسياسة ، ولا قدرة له على فصل الحكومات المشكلة ، والقضايا العريضة المعضلة ، ولا الوصول إلى إثبات السيادة ، ولا الدخول في أبواب السعادة . فإن تدبير الممالك وسلوك هذه المسالك يحتاج إلى رجل كالجبل في السكون والوقار أوان الثبات ، وكالبحر الهائج والسيل الهامر « 3 » أوان الحركات . واعلم يا ذا العلا والمالك المال والدما ؛ أنه يجب على الملك الكبير اجتناب الإسراف والتبذير ، فإنه حافظ دماء الناس وأموالهم مراقب مصالحهم في حالتي حالهم ومآلهم ، والمال الذي في خزائنه قد اجتمع من وجوه مكامنه ومن خراج مملكته ومن أعدائه ومعادنه . إنما هو للرعية ليذهب عنهم البلية ويصرفه في مصالحهم وما يحدث من

--> ( 1 ) حديث أخرجه ابن ماجة : كتاب الأطعمة ، باب القديد ( 3312 ) عن ابن مسعود . ( 2 ) الولاية . ( 3 ) شديد الاندفاع .