أحمد بن محمد ابن عربشاه

41

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

حوائجهم وجوائحهم « 1 » ، فهو في يده أمانة وصرفه في غير وجهه خيانة ، فكما لا ينبغي أن يتصرف في مال نفسه بالتبذير ، كذلك لا يتصرف في أموالهم بالإسراف ، والتقتير ومصداق هذا المقال قول ذي الجلال جل كلاما وعز مقاما وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً [ الفرقان : 67 ] . فينبغي للملك ، بل يجب أن لا يستتر عن الرعية ولا يحتجب ، وأن لا يبادر بمرسوم إلا بعد تحقيق المعلوم ، ولا يبرز مرسومه ما لم يتحقق فيه معلومه ، وذلك بعد التأمل والتدبر وستر عورة القضية والتفكر ؛ وهذا لأن مرسوم السلطان على فم أبناء الزمان ، وهو بمنزلة القضاء النازل من السماء ، وإذا أنزل القضاء وفتحت له أبواب السماء فلا يرد ولا يصد ، ولا يعوقه عن مضيه عدد ولا عد ، ولا حيلة في منعه لأحد وأمر أولي الأمر على زيد وعمرو ، كالسهم الخارج من الوتر ، بل شبه القضاء والقدر ، تعجز عن إدراك سره قوى البشر ، فكما أنه إذا أنفذ سهم القضاء والقدر لا يمنعه ترس حيلة « 2 » ولا يصده درع حذر ، فكذلك أمر السلطان لا يثبت لرده حيوان ، ولا يمكن تلقيه إلا بالإمضاء والإذعان ، فإذا لم يتدبر قبل إبرازه في عواقب مآله وإعجازه ربما أدى إلى الندم والتأسف حيث زلت القدم ، ولا يفيد التلافي بعد التلاف ، ولا يرد السهم إلى القوس . وقد خرق الشغاف ، وكما أن الملك سلطان الأنام كذلك كلامه سلطان الكلام ، وكل ما ينسب إليه فهو سلطان جنسه ، فيجب عليه حفظ كلامه كحفظ نفسه . وحسبك يا مالك الزمان لطيفة للملك أنوشروان « 3 » ؛ فبرزت المراسيم الشريفة ببيان تلك اللطيفة . [ 2 ] [ لطيفة الملك أنوشروان : ] فقال الحكيم : ذكر أهل السير ونقلة الأثر ؛ أن الملك أنوشروان كان راكبا في السيران فجمع به فرسه وقوى عليه نفسه ، فاستخف شأنه ،

--> ( 1 ) الجوائح مفردها ، جائحة : المصيبة والكارثة . ( 2 ) أي شدة وعمق الحيلة . ( 3 ) كسرى أنوشروان ، أحد ملوك الفرس ، توفى سنة ( 579 ) م .