أحمد بن محمد ابن عربشاه

39

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

والنفس مطبوعة على الأذى والشر ، فبينها تنافر من أصل الخلقة ، وتباين من نفس الفطرة ، والنفس تميل إلى ما جبلت عليه ، والنصيحة تجذب إلى ما تدعو إليه ، قال العزيز الجبار - حكاية عن الكفار - وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ [ غافر : 41 ، 42 ] . فالسعيد من تأمل في معاني الحكم وسلك السبيل الأقوم ، وتدبر في عواقب الأمور بالافتكار ، وتلقى الأشياء من طرف الاعتبار وقد قيل : إذا لم يغن قول النصيح بمقول * فإنّ معاريض الكلام فضول « 1 » ثم عش واسلم وتيقن واعلم يا ملك الزمان ؛ أن أفضل شيء في وجود الإنسان ، وأحسن جوهرة تزين بها عقد تركيبه : العقل الداعي إلى كيفية تهذيبه في أساليبه ، وأفضل درة ترصع بها تاج العقل في تزيينه وترتيبه الخلق الحسن ؛ الذي فضل اللّه به خير خلقه في تعليمه وتأديبه وخاطب بذلك نبيه الكريم فقال : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [ القلم : 4 ] . وبالخلق الحسن ينال شرف الذكر في الدارين ، ولا يضع الله الخلق الحسن إلا فيمن اصطفاه من الثقلين . وأفضل جنس الإنسان ، بعد الرسول الرفيع الشان ، الملك الذي يحيى أحكام شريعته ، ويمشى على سنته وطريقته ، وإذا كان الملك حسن الخلق والفعال ؛ فهو في الدرجة العليا من الكمال ، قال الرسول النجيب صاحب التاج والقضيب ، محمد المصطفى الحبيب صلّى اللّه عليه وسلّم صلاة يتمسك بأذيالها الطبيب ويترنح لنسمات قبولها الغصن الرطيب : « ألا أخبركم على من تحرم النار ؛ على كل هين لين سهل قريب « 2 » » .

--> ( 1 ) معاريض مفردها ، معراض : التورية ، وهي خلاف المصرّح به . ( 2 ) حديث أخرجه الترمذي : كتاب صفة القيامة ( 2488 ) وقال : حسن غريب .