أحمد بن محمد ابن عربشاه

385

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

لئيمة ، معدن السموم في زبان إبرتها « 1 » ، وطعم المنايا مودع في شوكتها ، فتوجهت إليها وترامت عليها . وقالت : إنما تدخر الأصحاب للشدائد ولدفع الضرر والمكائد ، وإنزال الداء بساحة الأعداء ، ولأخذ الثأر والانتقام من المعتدين اللئام ، وقصّت عليها القصة وطلبت منها إزاحة هذه الغصّة ، وأن تأخذ لها بضرباتها القصاص ؛ ليحصل لها بين جيرانها من العتب الخلاص ، فأجابتها إلى ما سألت ، وأقبلت إلى وكر الفارة بما اقتبلت وأخذا في إعمال الحيلة ، قادت أفكارهما الوبيلة إلى أن تخدعا صاحب البيت بالذهب وتلقياه بذلك في اللهب . ثم أمهلا إلى أن دخل الليل ، وشرعا في إيصال الويل ، فأخرجت الفارة دينارا وألقته في صحن الدار ، ووضعت آخر عند جحر الفار ، وأظهرت نصف دينار من ذلك الذهب وسترت النصف الآخر عند العقرب ، واستترت العقرب بجناح السكون تحت ذيل الكمون « 2 » ، وقد عبّت في زبانها ريب المنون ، فلما أصبح الصباح ونودي بالفلاح ، وجد صاحب الدار في وسطها الدينار ، فتفاءل بسعد نهاره ، ولم يعلم أنه علامة دماره ، ففتح عينيه ونظر حواليه ، فرأى عند جحر الفار أخا للدينار ، ففرح وطار ونشط واستطار ، وزاد في الطلب على بقية الذهب ، فرأى نصف دينار داخل جحر الفار ، فمد يده إليه وأعمى القضاء عينيه عما قدره الله عليه ، فضربته العقرب ضربة قضى منها نحبه ، فبرد مكانه ولاقى هوانه ، وأخذت الفارة ثأرها وقضت من عدوها أوطارها . وإنما أوردت هذه الأخبار ؛ ليعلم الملك أن حيلة صاحب الأفكار ، تفعل ما لا يفعله العسكر الجرار بالسيف البتار والرمح الخطار « 3 » ، وبقليل الحيلة

--> ( 1 ) قرنها الذي تضرب به وتبث سمها عن طريقه . ( 2 ) الاختفاء . ( 3 ) القاتل .