أحمد بن محمد ابن عربشاه

386

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

تتم الأمور الجليلة فلا يهتم الملك بجثث الأفيال ، ويشرع فيما هو بصدده من دقيق الاحتيال ، وأنا أرجو من الله تعالى الظفر بعدونا ، وحصولنا على غاية مأمولنا ونهاية مرجونا ، فأول ما نعاملهم بالوهم وإظهار الصولة والتخويف والإرهاب بقوة الدولة ، فإن الوهم قتال والعاقل المدبر يحتال وطائفة الفيول عديمة العقول ، وبالوهم يبلغ الشخص مراده ، كما بلغ الحمار من الأسد ما أراده . فسأل ملك الآساد بيان حكاية أبى زياد . [ 67 ] [ الحمار والأسد : ] فقال أبو الحصين : أخبرني أبو الحسين ذو المفاخر ناصر ، أنه كان في بعض الأعصار والمعاصر ، حمار في مدار يستعملونه بالليل والنهار ، إلى أن حصل له الكبر ورمى بالعبر ، وابتلى باطنا بالجوع وظاهرا بالدّبر « 1 » ، وعجز عن العمل وانقطع منه الأمل ، فتركه أصحابه وأعتقوه وفي بعض المراعى أطلقوه ، فصار يمرح وفي تلك المروج يسرح ، إلى أن خرج إلى الصحراء وانفرد في رياض الفلا ، فوصل إلى بعض الآجام وحصل له النشاط التام ، إلى أن صح بدنه وسمن وبر أدبره وأمن ، وأخذه البطر واستولى عليه الأشر « 2 » ، واستخفه الطيش وطيب العيش ، وسار في تلك المراعى يتردد ذهابا وإيابا كالساعى ، فيسدى ويلحم في شقتها ، ويفصل مهما اختار من مزهر خرقتها ، وينهق على عادة الحمير فيملأ تلك الأماكن من الشهيق والزفير . وكان في تلك الآجام أسد متخيّس « 3 » ؛ يسمى الشبل ابن المتأنس ، كان أبوه ملك تلك الأماكن ، قد نشا بها وهو فيها ساكن ، شاب غرير لم يكن يعرف الحمير ، ولا طرق سمعه شهيق ولا زفير ، بل ولا خرج من تلك

--> ( 1 ) الدبر : قرحة تصيب الدابة من كثرة وثقل الأحمال . ( 2 ) البطر . ( 3 ) أي ساكن الخيسة ، وهي موضع الأسد ومكانه .