أحمد بن محمد ابن عربشاه
382
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فلما بلّغ الذئب الرسالة وأدى ما فيها من شجاعة وبسالة ، وبيّن لملك الأفيال ما تضمنته من عظمة وجلال ، استشاط ملك الأفيال ، وتغيرت لاضطرابه الأحوال ، ونظر من تلك الفيول إلى فيل ظلوم جهول ، وبدر إليه من غير تدبر ولا تأمل في الأمور وتفكر ، وقال : اذهب إلى هذا المعتمد على كلامه ، الراقد في غفلة منامه ، وقل له : متى مارست معركة الشجعان ، أو صارعت رجال الميدان ، وأنّى لك طاقة بمصادمة الجبال ، ومن أين تعرف مقاومة الأفيال ، فاستيقظ لنفسك فعن قريب تحل برمسك ، واستعد لجنود لا قبل لك بها ، فستشاهد ما لم تسمعه من ضربها في حربها ، فلقد أتاك عسكر القضاء وبنوده ، وليحطمنكم سليمان الأفيال وجنوده ، فليريقن الدماء ، وليستأسرن الحرائر كالإماء ، وليدوسن الأطفال ، ولترين منه الإنكاد والإنكال ، وليظهرن آثار الدمار والبوار بما لك من ممالك ومساكن وديار ، وليفعلن بولاياتك ما فعله بممالك الإسلام التتار . وأنت بين أمرين وبخير النظرين ، إما أن تطيع لأمرنا وتنقاد وتسلم إلينا ما بيدك من بلاد ، وإما أن تختار طرق الفراق والفرار ، وتنجو منا منجا الذباب ، وتتنحى عن طريقنا بما معك من كلاب وذئاب ، وقد بالغنا في النصيحة بعباراتنا الصحيحة وأقوالنا الفصيحة ، قبل إفشاء الفضيحة . فوصل الفيل الرسول وأدى هذا المقول ، فتشوش الأسد ، وداخله الغيظ والنكد ، فأراد الإيقاع بالرسول الظلوم الجهول ، ثم تمالك وعن ذلك تماسك ، وقال : لولا أن عادة الملوك ودرب السياسة المسلوك ، أن لا تهاج الرسل « 1 » ، ولا تضيق عليهم السبل ، لقابلتك على كلامك الفجّ « 2 » بما يجب من العج والثّلج « 3 » .
--> ( 1 ) هج البيت : هدمه ، والمعنى : أي لا تقتل الرسل . ( 2 ) كثير الكلام متشبع بما ليس عنده . ( 3 ) أي من الريح والمطر .