أحمد بن محمد ابن عربشاه

383

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ثم التفت إلى الثعلب وقال : يا أبا الحصين ما عندك في جواب هذين النحسين ، قال الثعلب : أنت الأغلب ، هذا القيل أقوى دليل وأوضح سبيل على عدم عقل الفيل ، وأن فكره وبيل ، وبصيرته قد عميت وطرق هدايته قد خفيت ، وأنه غوى وأضل قومه وما هدى ، وكل من اعتمد على قواه وحوله ، واستحلى غرور فعله وقوله ، فقد زال وزل ، وفي عقد البلاء حال وحل ، وهذا الجاهل السخيف الكثيف الثقيل الجثة الخفيف ، قد استحقرنا في عينه ؛ فسيرى منا حلول حينه ، وكل من استحقر واستخف بعدوه ، فسيعدم حلاوة هدوه ، وسيحرم مواصلة مرجوّه . وقد قالت الحكماء الأخيار والعقلاء ذوى الاعتبار ، وأولوا التجارب والاستبصار : لا تستحقر السقم ، والنوم ، والدّين ، والعدو ، والنار ، فالملك أعز الله نصره وأعلى مناره وقدره ، وسلط على الأعداء قهره ، لا يلتفت إلى هذا الكلام ، ولا يتزعزع لهذه الأوهام ، ولا يخف من جهامة الأفيال « 1 » ، فكل ما هم فيه باطل ومحال ، بل يعتمد على الله العزيز الجبار ، ويصفى نيته بالعدل والخير مع الكبار والصغار ، ويقوى جنانه على الملاقاة وقد وافاه النصر وأتاه ، ولاغاه السعد ولاقاه ، فإن هؤلاء اعتدوا على ولايته وأتوها فسينزل الله تعالى عليهم جنودا لم يروها ، فكم من مستضعف حقير صدر منه بالحيلة أمر خطير ، وبحسن التدبير ومساعدة التقدير تم له أمر كبير ، وناهيك قصة الفارة مع رئيس الحارة وما فعلته إذ ختلته ، إلى أن قتلته ، فسأل حيدرة عن تلك المأثرة . [ 66 ] [ قصة الفارة مع رئيس الحارة : ] فقال : بلغني أيها النفيس أنه كان رئيس ، ضيق العطن « 2 » خسيس ، له زوجة ذات صيانة ودين وأمانة لم تزل تتجنب الخيانة ، وتتعاطى

--> ( 1 ) عبوس الأفيال . ( 2 ) العطن : الجلد وضع في الدباغ وترك فأنتن .