أحمد بن محمد ابن عربشاه

38

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الدولة والمناصب ، وذوى الوظائف والمراتب ، وأهل الحل والعقد المتصرفين في الحكم والأمثال والنقد ؛ ليأخذ كل منهم حظه ويشنف « 1 » سمعه ، ويزين لفظه ولحظه ؛ فتعم الفائدة وتشمل العائدة ، ويتحقق كل سامع ؛ وقائل ما لك من الفضائل والفواضل ، وتتميز على أقرانك ورؤساء زمانك ، ويبلغ الأطراف وسائر الأكناف « 2 » ما لديك للناس من إسعاف ، وما قصدت لهم من إحسان وألطاف ، فيتوفر لك الدعاء ، ويكثر لك الشكر والثناء ، لعظم فضلك وحسن آدابك في نقلك . وقد أذنا لك في الكلام ، وسلمنا إلى يد تصريفك فيه الزمام ؛ لعلمنا أنك فارس ميدانه ، وفي بيان معانيك بديع بيانه ، ولسان فصاحتك يدحرج كرة البلاغة كيف شاء بصولجانه ، فقل ما بدا لك أحسن الله حالك . فنهض الحكيم من مكانه وحسر طرف لثامه « 3 » ، وبادر إلى الأرض بالتثامة « 4 » وقال : حيث أذن مولانا السلطان ، وتصدق بالإذن في حسن البيان ، فلا بد من إتمام الإحسان ، وذلك بالإصغاء وحسن الرعاية والإرعاء ، فإن حسن الاستماع هو طريق الانتفاع ، وهو الدرجة الثانية ، وهي مرتبة سامية ، فإن حسن الأداء هي المرتبة الأولى ، وتليها أيها الملك المطاع ؛ مرتبة حسن الاستماع ، ثم تليها في الزيادة مرتبة الاستفادة ، والمرتبة الرابعة وهي الجامعة النافعة ؛ درجة العمل وبها الفضل اكتمل ، وأما الغاية القصوى والدرجة العليا والمرتبة الفاخرة فهي الإخلاص في العمل وطلب الآخرة ، واتباع رضا المولى بترك السمعة والرياء ، ثم لنحط العلوم الوضيحة أن النصيحة من حيث هي نصيحة ، تتميز القلوب غيظا منها وتنفر النفس عنها ؛ لأن النفس مائلة إلى الفساد ، والنصيحة داعية إلى الرشاد ، والنصيحة محض خير وبر ،

--> ( 1 ) شنّف الكلام ، أي زينه للسامع . ( 2 ) الأكناف مفردها ، كنف : الناحية . ( 3 ) اللثام : ما كان على الأنف وما حوله من ثوب . ( 4 ) أي قبل الأرض بين يديه .