أحمد بن محمد ابن عربشاه

379

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

بدرّ هذه الفائدة أذنه ، فلما حمّله صاحبه الحمل المعهود ودخل به في طريقه المورود ، ووصل إلى المخاضة برك فضربوه ، فما قام ولا احترك ، وتحمل ضربه وعسفه « 1 » حتى أذاب من الحمل نصفه ، ثم نهض انتهاضة وخرج من المخاضة ، ولازم هذه العادة ، إلى أن أفقر صاحبه وأباده . فأدرك الجمّال هذه الحيلة ، فافتكر له في داهية وبيلة ، وعمد إلى عهن منفوش « 2 » ، وغير في مقامرته شكل النقوش ، وأوسق للجمل منه حملا بالغ فيه تعبية وثقلا ، وسلّط عليه الظما ثم دخل به إلى الماء ؛ فلما توسط الماء برك وتغافل عنه صاحبه وترك ، فتشرب الصوف من الماء ما يملأ البرك ، ثم أراد النهوض فنأى به الربوض « 3 » ، فقاسى من المشاق ما لا يطاق ، ورجع هذا الفكر الوبيل على الجمل المسكين بأضعاف التثقيل ، فساء مصيره ، وكان في تدبيره تدميره ، وما استفاد إلا زيادة النّصب ، وأمثال ما كان يجده من التعب والوصب . وإنما أوردت هذا المثل عن الجمل ؛ ليعلم الملك والحضّار ، أن العدو الغدار ، والحسود المكار ؛ يتفكر في أنواع الدواهي ويفرع أنواع البلايا والرزايا كما هي ، ويبذل في ذلك جده وجهده ولا يقصر فيما اتصل إليه من ذلك يده ، فتارة تدرك مكايده وتعرف مصايده ، وتارة يغفل عن دواهيها ، فلا يشعر الخصم إلا وقد تورط فيها ، وعلى كل حال لا بدّ للشخص له وعليه من الاحتيال ، وأما طلب الصلح وإرسال الهدايا فمن أعظم المصائب وأكبر الرزايا ، فإن ذلك يدل على عجزنا والخور ، وينادى على هواننا في البدو والحضر ، ويجرئ علينا الغريب ، ويذهب حرمتنا عند القريب ، ودونك

--> ( 1 ) شدة وتعب العمل . ( 2 ) أي صار كالصوف المنفوش الذي قد شرع في الذهاب والتمزق . ( 3 ) أي كلما أراد النهوض ؛ أقعده التعب .