أحمد بن محمد ابن عربشاه

380

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

يا أبا العباس ما أنشدتك في المقياس : وما أنا ممّا فرّ من نار خصيمه * لظلّ حسود أو إلى فىء شامت ولكن الرأي الأنور أيها الورد « 1 » الغضنفر ، أن ترسل إليهم رسولا عاقلا فصيحا جميلا ، بصيرا بعواقب الأمور ، قد مارس تقلبات الدهور ، وقد ربّى وتربّى وعن الرذائل تأبّى ، وبأنواع الفضائل تعبى ، وأحرم إلى كعبة محاسن الشيم ولبّى ، ولولا أن باب النبوة استدلتني برسالة فحلة ، تسفر عن بسالة جزلة ، تتضمن سؤالهم عما أوجب ارتحالهم ، وسبب قصدهم لبقعتنا وتوجههم لدخول رقعتنا ، وما موجب هذا الاعتداء ولم يصدر منا لهم إلا المحبة والولاء ، وحسن الجوار والإحسان إلى الكبار والصغار ، ومعاملة الغريب والقريب بالفضل المجيب والكرم الذي لا يخيب ، ويذكر لهم بسالتنا وشجاعتنا وفي معاملات المضاربة بضاعتنا ، ويكشف لهم في ملابسة الحرب والضرب صناعتنا ، ويحقق عندهم ما عندنا من أسود الحرب وفوارس الطعن والضرب ، وأجناس الوحوش الكواسر والسباع الجواسر ، وأصناف الفراعل « 2 » والعسابر « 3 » ، ويتكلم بكلام يراه مقتضى المقام ، ومناسب للحال ويوسع في ذلك المجال ، ويميز أوضاعهم وعساكرهم ويسبر بمسبار « 4 » العقل أمورهم وأوامرهم ، ويسمع الجواب وما فيه من خطأ وصواب ، ويورده إلينا ويعرضه علينا ، فنعمل بمقتضاه وينظر الرأي السديد فيه ما ارتضاه ، ونبنى على ذلك الأساس ونفصل على ذلك القياس . فاستصوبوا هذا الرأي من الآراء ، وطلبوا له كفؤا من الأكفاء ، فوجدوا ذئبا هو من خواص الحضرة ومن ذوى النباهة والشهرة ، له في

--> ( 1 ) الأسد . ( 2 ) الفراعل ، مفردها الفرعل : الضبع . ( 3 ) العسابر ، مفردها العسبر : النمر . ( 4 ) المسبار : آلة الاختبار .