أحمد بن محمد ابن عربشاه

376

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

ولقلوبهم كارثة ، وهي طريقة الاحتيال ، والتوصل إلى لقائهم بطرائق المكر في جب الوبال ، فإن صائب الأفكار يعمل ما لا يعمله الصارم البتار ، فبشباك الحيلة تصاد كل فضيلة وتهون كل جليلة ، وأنا أفضل ما أجملت وأبين ما فصلت ، أما المقابلة والأخذ في أسباب المقاتلة ، فلا طاقة لنا به ولا باب لدخول قبابه ؛ لأنا عاجزون عن المصادمة ، قاصرون عن المقاومة ، محتاجون إلى الطعام والشراب ، وبعض عساكرنا لا يعيش إلا باللحم والكباب ، وجيشهم الذي قد ملا وسد الوهد والفلا ، يقنعون بالحشيش والكلى ، فلا يتكلفون لحمل زاد ولا يحتاجون إلى عدة وعتاد ، وأيضا أحوال عساكرنا المفرقة المضمونة لاختلاف أجناسها وأنواعها غير معلومة ، فلا اعتماد عليهم ولا يتحقق الركون إليهم ، فإنهم أجناس مختلفة وطوائف غير مؤتلفة ، وبينهم معاداة وفي جبلتهم النفرة والمنافاة ، وبعضهم غذاء بعض وفي قلبه منه عداوة وبغض ، لو ظفر به كسره وأكله وإن استنصر به خذله ، فهم كالقفل المجمع ولون اتفاقهم ملمع ، وأما عساكر الأفيال فبينهم اتفاق على كل حال لأنهم جنس واحد ، وما بينهم مخالف ولا مناكد ، ولهم اعتماد على قوتهم وعلى اتفاقهم وشوكتهم ، والمعتمد على مثل عساكرنا إن لم يضبط بطريقة كلية أمر عشائرنا ينفرط أمره ، ويخمد في ايقاده نار الحرب جمره ، ويعلوه من بحر النوائب غمره ، ويظفر به من أعدائه زيده وعمره ، ويصيبه من الحطّة ما أصاب الصياد من القطة ، فسأل أبو الحارث عن بيان هذا الحادث . [ 64 ] [ الصياد والقطة : ] قال الثعلب : ذكر أن رجلا ذا كيد كان مغرما بالصيد ، وكان عنده قط صياد يجترئ على النمس والغيّاد « 1 » ، فكان يوما بين يديه ، فمر عصفور عليه فطفر كالنمور وحصّل من الهواء العصفور ، فأعجب به

--> ( 1 ) ذكر البوم .