أحمد بن محمد ابن عربشاه

369

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وروغان في الخير والشر ، ومداخل ومخارج ، ومدارك ومعارج ، وليس في عساكرنا سوى الصدمات ، والحطم بقوة النهضات والعزمات ، فإن أفادهن هذا الاصطدام ، وإلا فما ثم إلا الانهزام . فلما بلغ المقبل في الكلام إلى هذا المقام ، وكان رسخ في قلب الملك من كلام المدبر الوسخ فما أثر نصح المقبل وما أفاد ؛ لأن النفس بطبعها مائلة إلى الفساد ، فشرع الملك واعتمد على التوجه إلى بلاد الأسد ، وأمر رؤساء فيلة الهنود بجمع العساكر والجنود ، وأشيع ذلك في أطراف الممالك ، فاطلع على هذه الأحوال غراب يكنى أبا المرقال ، كان له وطن وولد وسكن في ممالك الأسد ، لكنه قدم جزيرة الأفيال للتنزه على سبيل التفرج والتفكه ، فشرع يتأمل في هذه الأمور ويستنتج من قضاياها ما يتولد من سرور وشرور ، فانتهى سابق أفكاره في ميدان مضماره ، إلى أن هذه القضايا تسفر عن بلايا ورزايا ، وإراقة دماء وخراب أماكن وهلاك رعايا ، سواء تمت للأفيال أو رجعت عليهم بالوبال ، فخاف على سكنه ودمار أهله ووطنه ، فأدى فكره الأسد أن يطلع على ذلك الأسدّ ، ليتداركه بحسن آرائه ويعترف للغراب بحسن وفائه . فبكر بكوره وقصد دوره ، فوصل في أقرب زمان ونادى الريبال أبا الزعفران ، وقال : الله الله إني أنا النذير العريان ، وأطلع الأسد على هذا النكد ، وقرر معه حقيقة الأحوال وما عزم عليه ملك الأفيال ، فتشوشت لذلك الخواطر ، وتصدعت لخوفه الأكابر والأصاغر ، ثم أمر السباع وطوائف الوحوش بالاجتماع مع رؤساء مملكته وأساطين خاصته ورعيته ، وذكر لهم هذا الأمر المهول وما عزم عليه ملك الفيول ، وأذن لكل واحد منهم في ذلك بما يقول ، فوقع الاتفاق من أولئك الرفاق أن يتفق أعيان كل جنس من الحيوان على رئيس من جنسهم ، يقيمونه مقام نفسهم يرضون بأقواله ويقتفون