أحمد بن محمد ابن عربشاه
368
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الرحيم ، فبالضرورة يبادر إلى الملاقاة ، ويسارع إلى ما كان يتمناه ، ويغتنم عبودية الملك وبعدها غاية مرتجاه ، فيدل على عورات العدو ومظان عثراته ، ويرشد إلى طرائف نكاياته ونكباته ، وينادى في النّادى نلت مرادي ، على رغم الأعادى ، ويعلن بانشادى للحاضر والبادى : إذا كان للإنسان في دولة امرئ * نصيب وإحسان تمنّى دوامها وأيضا في ذلك الإقليم من هو متشبث بأمر جسيم ، وهو ما له من مال وأولاد ، وإقطاعات وعقار ، وبلاد وسوائم ومواش ، وأثقال وحواش ، فلا يمكنه التحول عن طريقنا ، ولا التحمل لرعودنا وبروقنا ، ولا قوة المقاومة ولا طاقة المصادمة ، فبالضرورة يصانع عن تعلقاته بالطاعة ، ويتشبث بذيل سنتنا مع الجماعة فتستمد بآرائه وروائه ونستفيد فيما نحن بصدده دواء لدائه . فقال الملك للمقبل : ما الجواب عن هذا الخطاب ، فقال : هذا المقال ، وإن كان لا يخلو عن الاحتمال ووقوعه غير محال ، لكن الأقرب إلى الذهن أن هذا لا يقع ، لأنه مبتدع ؛ ولأن طبائعنا مخالفة لطبائعهم ، وأوضاعنا غير أوضاعهم ، وناهيك أن كلاب الحارة في النهب والغارة ، يمزق بعضهم بعضا ويتناحرون فيما بينهم حرصا وبغضا ، حتى إذا دخل بينهم ذيب أو حيوان غريب ، توجهوا إليه واتفقوا عليه فمزقوا أديمه « 1 » وهتكوا حريمه ، وجعلوا لحمه لجماعتهم وليمة . وعند الأسد من الوحوش أنواع ما بين سباع وضباع ونمور وذئاب ، وقرود وذباب ، وفهود وكلاب ، كلهم على طباعه ، متفقون على اتباعه ، وإن اختلفت عليهم الثياب لكن الكل كلاب أولاد كلاب ، وكل من هؤلاء على ما هم عليه متفقو الأهواء ، له على خصمه في مجادلته وخصمه دربه في المساواة ، ووثبه في المغارة وأنواع في الكر والغد
--> ( 1 ) جلده .