أحمد بن محمد ابن عربشاه
337
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
الجوع ماضي الضرم ، يحمله له صاحبه ما لا يطيقه ، ويقطع عنه قوته وعليقه ، يؤذيه ولا يداويه ويدور به ولا يداريه ، فطلب مالكه وعتبه ، ثم زجره وضربه ، ثم أمر بالنداء في الأسواق وامتد ذلك حتى بلغ الآفاق وعم الضواحي والرزداق « 1 » : أن يسلك بما ملكت اليمين الإرفاق ، ولا يقطر عليها في الإنفاق ، وكل من عنده دابة قد استعملها في صباها واستوفى في خدمته قواها يراعى حقوقها إذا كبرت ، ولا يضيع ما قدمت بما أخرت ، وصك وجه ذلك الرجل صكا ، وكتب عليه بفرض حماره صكا . وإنما ذكرت هذا المثال ؛ في معرض ما يقال من : أن عدل السلطان خير من خصب الزمان ، وأيضا فإن قصد الملك إذا كان صالحا كان أمره في جميع الأزمان ناجحا ، وسخر الله له من يرشده إلى قصده ، ويعينه على أمور شعائره ، ويحيا ذكره من بعده ، وتدرّ على يده سحائب البركات ويجرى منها على خير قصده أبحر الخيرات ، وحفظ كل من إليه ينتسب ، ورزقه كل ذلك من حيث لا يحتسب ، وحاصل هذه المقدمة أن المسؤول من الصدقات المعظمة ؛ أنه إذا ترامى على أبواب عدلها شاكي أو تعلق بأسباب معدلتها متظلم باكى ، تتصدى هي بنفسها لكشف ظلامته ، ولا تترك الغير في فصلها لإقامته ، وأن الفقير من جماعنا ، والضعيف من أهل طاعتنا إذا مست الحاجة به إلى بث شكوى أو رفع بلوى ، يتقدم إلى شكواه بلا واسطة ليأمن في أمره المغالطة ، ويصادف مقسطه لا قاسطه « 2 » ويتساوى في كل من مشرب العدل والإنصاف ومراعى الفضل والألطاف ؛ الظباء ، والأسود ، والذئب والعتود « 3 » ، والعقاب ، والعصفور ، والحمام ، والصقور ، ولا يتقدم في الدعاوى من حيث التساوي ؛ الوجيه على الجاهل ولا النبيه على الخامل ، ولا الكبير على الصغير ولا الجليل على الحقير .
--> ( 1 ) القرى وما يحيط بها . ( 2 ) أي من يعدل لا من يظلم . ( 3 ) الخيل .