أحمد بن محمد ابن عربشاه
332
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فاستصوبوا هذا الرأي واسترضوه ، واستعذبوا لطيف معناه واستحسنوه وانتدبوا لهذا الأمر الخطير من يصلح أن يكون عند الملوك السفير ، فوجد طيبا طيب العناصر قد عقدت على غزارة فضله الخناصر « 1 » من أعقل الجماعة ، وأذكاها وأحسنها رأيا وأدهاها ، فقلدوه الزعامة وأرسلوه مع الحمامة ، على أن يجتمع بالملك يسار ويعاهده على ما يقع عليه الاختيار ، ثم يسمع أقواله ويشاهد أفعاله ويميز أحواله ، ثم يرد عليهم الجواب فيميزوا ما فيه من خطأ وصواب ، فيبنوا عليه ويرجعوا إليه . فتوجه الظبي والحمامة مستصحبين الأمن والسلامة ، فلما قربت الديار سبقت الحمامة إلى خدمة الملك يسار ، وأخبرته بصورة الأخبار ، وأن الظبي في العقب مقبل بما يحبه الملك ويجب ، فأمر الملك الوزير أن يتلقى الظبي الغرير مع جمع الطير الكثير . فتقدم الوزير وقال : أسأل مولانا الملك المفضال إن صدر من هذا القاصد خطاب أن يشار إلىّ برد الجواب ، فإن ذلك أعلى للحرمة وأدنى للحشمة ، وأقوى لناموس الملك والرئاسة ، وأزهى لطاوس البسوق والسياسة ، فإن كان ذلك الجواب متحليا جيده بعقود الصواب ، كانت سعادة الملك الملهمة في خدم الملك من تصدى للأمر وأبرمه ، فإن خرج عن طريق الجادة ، فلا ينسب إلى الملك تلك المادة ، بل يتلقاه الملك بكرمه ، ويكون الخطأ منسوبا إلى خدمه فأجابه إلى ما سأل ، وتقدم الوزير للملاقاة مع سائر الخول ، فتلقوا الظبي بالترحاب ، وفتحوا في وجهه للكرامة أوسع باب ، ومشوا معه حتى وصل إلى حضرة ، وشاهد تلك الحشمة والنضرة ، فقبل الأرض ووقف وعرف مقدار الملك واعترف ، وأدى الرسالة وبين للملك ما فيها من رقة وجلالة . فقابله الملك بما يليق بحشمته وأجلسه بالقرب من حضرته ، وخاطبه بما أذهب دهشته ، وآنسه بملاطفات جلت وحشته ، وسأله عمن خلف وراءه واستقصى في التفحص أحواله وأنباءه ، فبلغ عبوديتهم وطاعتهم ، وأن
--> ( 1 ) الخناصر ؛ مفردها خنصر : وهو الأصبع الصغير في الكف ، وهو مثل يضرب لما يتفق عليه .