أحمد بن محمد ابن عربشاه

333

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الإخلاص والطاعة شملت جماعتهم ، وفتح فم الدعاء بلسان ذلق « 1 » وخطاب طلق ، وكلام غير معقد ولا قاق ، وأطال في الدعاء وأطنب « 2 » في الشكر والثناء ، وسأل شمول المراحم وكفّ كفّ المتعدى والمزاحم ، فإنهم انبسطوا وانشرحوا وابتهجوا باستيلاء هذا الملك وفرحوا ، وشكروا الله هذه النعمة ، وأنى يفون بشروط العبودية والخدمة ، ثم سأل أخذ الميثاق وتأكيد العهد بالإيثاق ، بالأمان والاطمئنان ، لمن وراءه من الوحوش والغزلان ، فأعطاهم الأمان وشملهم بالإحسان ، على أن لا يراق لهم دم ، ولا يهتك لهم حرم ، وأنهم يرعون حيث شاءوا ويسرحون حيث ذهبوا وجاءوا ، وأن الملك يسار حاكم سلوق ، وزغار ، خليفة براق ، وكوباك والتتار ، قد عاهد الملك الجبار أن لا يتعرض لوحش القفار ، ولا لأحد من أجناس الأطيار حتى ولا لحيتان البحار ، ولا يريق لهم دما ، ولا يقصد لهم أذى ولا ألما ، ويرعى جانبهم ويقضى مآربهم ، ويحفظ شاهدهم وغائبهم ، ويمنعهم من مناوئهم ، ولا يسلط عليهم من يؤذيهم ما داموا تحت طاعتي وفي جواري وذمتي ، فقبلت الغزالة بشفاه العبودية خد الجدالة . وقالت : هذا كان المأمول وجل القصد من الصدقات والمسؤول ، والذي جيء لأجله فقد حصل من صدقات الملك وفضله ، ولكن العلم العالي محيط بأن وحوش البسيط أقوام ضعاف ليس بينهم ائتلاف ، وهم طوائف كثير الاختلاف ، أجناس متفرقة وأنواع متمزقة ، ليسوا كقطائع الغنم مجتمعين ولا كحشار الخيل ممتنعين ، ولا بعضهم لبعض متبعين ، ثم لم تزل العداوة بينهم قائمة ، وعيون الصلح والاتفاق عنهم نائمة ، لا يضبطهم ديوان ولا يحصرهم حسبان ، ولا يمنعهم من التعدي سلطان ؛ القوى يكسر الضعيف ويمزقه ، والشاكى يستطيل على الأعزل ويغرقه ، ولأجل هذا المعنى لا يمكن اجتماعهم في مغنى « 3 » بل البعض في قلل الجبال « 4 » متوطن ، والبعض في

--> ( 1 ) فصيح . ( 2 ) أي أطال حتى وفاه حقه . ( 3 ) المغنى ؛ جمعها مغان : المنزل . ( 4 ) مرتفعات الجبال .