أحمد بن محمد ابن عربشاه
319
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
بالبلد إقامة في برج رجل من أهل الزعامة . ثم اختارت العزلة ، واحتسبتها نعمة جزله . فاختارت هذا المقام ، ولها فيه عدة أعوام فسمعت جميع ما قالا من مبدئه إلى منتهاه . فلما وعت ما اتفقا عليه ، وتداعيا إليه ، أخذت تضرب أخماسا لأسداس ، وتتأمل فيما يتجلى من عرائس معانيه من القدم إلى الرأس ، وتجيل في صور مبانيه قداح النظر ، وتلاحظ سيرة فحاويه بلوامح الفكر « 1 » ، وتجوز مذاهبه ، وتروز عواقبه « 2 » ، وتقيس مداركه بمعارجه ، وتميس في مداخله ومخارجه « 3 » ؛ فأدى قائد فكرها ورائد نظرها إلى أنه ربما يكون لهما شان ، وعلو مكانة ومكان ، فإن محاوراتهما وما مر من مناظراتهما كانت منطوية على ذكاء وفطنة ، وتجارب وحكمة وعلو همة ، صادرة عن فكر مصيب ، ورأى له في السداد أوفر نصيب ، ولم يبق لهما في القدر إلا مساعدة القضاء والقدر ، وإذا كان الأمر كذلك ، فالأليق في قطع هذه المسالك المبادرة إلى التعرف بهما وإعانتهما والتقرب إلى خواطرهما ، ومساعدتهما على ما هما فيه ، ومساعفتهما بما تصل إليه اليد وتحويه ؛ لأنهما في حالة الشدة وزمان الانفراد والوحدة ، محتاجان إلى المساعدة والمساعفة والمرافدة « 4 » ، وفي مثل هذه الحالة تظهر الفضيلة ويتحملان المنة والجميلة ، وتقع مساعدتى أحسن موقع ، ويتميز لي عندهما أرفع موضع ، فإنه إذا علا شأنهما وارتفع بدون معاونتى قدرهما ومكانهما ، واجتمع عليهما الجنود وأقبل إليهما الوفود ، وكثرت الحفدة « 5 » والأتباع ، وتكاثفت العساكر والأشياع ، فما يظهر لمن يقرب إليهما ويترامى لديهما إذ ذاك كبير فائدة ، ولا كثير عائدة ،
--> ( 1 ) أي بالتدبر والتفكر . ( 2 ) تنظر وتتأمل العواقب . ( 3 ) تتمهل في مبادئه وعواقبه . ( 4 ) المعاونة ( 5 ) الخدم والأعوان .