أحمد بن محمد ابن عربشاه

318

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فلما سال الميزاب بما جرى فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً [ الأحزاب : 37 ] نهض ليبر قسمه حسبما ميزه وقسمه ، وأدنى من منقاره غرمولة « 1 » ، وكان للطائر مدة لم يتناول مأكوله ، فتصوره قطعة لحمة قدمها إليه طعمة ، فأنشب مخاليبه فيه فاستغاث بملء فيه ، وكاد أن يغمى عليه ، واستعان بحبيبة قلبه إليه ، فأقبلت المرأة كالحدأة فأشار عليها أن تكشف عن ساقيها ، وترى الطير بظرها وحمرته ، فربما يلتهى به ويترك آلته ، فتكشفت وأدنته إليه وعولت في خلاص صاحبها عليه ، فوثب لشدة قرمه ، وتأثير الوجع وألمه ، ليلهم ذاك الفلهم « 2 » ، فأنشب مخاليب جله الأخرى في فلهم تلك البظراء ، فاشتبكا وفي البلاء اشتركا ، وبينماهما في تعاظل الكلاب « 3 » وإذا بالزوج قد دخل من الباب ، فرآهما على تلك الحال من الاشتباك والاعتظال ، ونقل الطير ما قال بالأفعال دون الأقوال ، فصح قوله وفعله ، وفعل معهما ما يجب فعله . وإنما أوردت هذا البيان ؛ لأعلم جنس الحيوان أن الشروع فيما ليس فيه منفوع ، يجب الإبعاد عنه والفرار منه ، وعدم الإصغاء إليه والتوجه والإقبال عليه ، ولهذا قال : النبي النبيه صلى الله عليه وسلم « من حسن إسلام المرء ، تركه ما لا يعنيه » « 4 » . قال المشرقي : ما بقي يا تقى ، إلا أن ترتقى ، فلقد طال البيان وضاع الزمان : فانهض هديت إلى ما رمته عجلا * فالدهر عات وللتأخير آفات وكانت هذه المحاورة تحت ظل شجرة فيها وكر حمامة ، وكان لها

--> ( 1 ) إير الرجل . ( 2 ) أي فرج المرأة ( 3 ) أي ركب بعضها بعضا . ( 4 ) الحديث أخرجه الترمذي : كتاب الزهد ، باب ( 11 ) ( 2317 ) وقال : هذا حديث غريب . وابن ماجة كتاب الفتن ، باب كف اللسان في الفتن ( 3976 ) .