أحمد بن محمد ابن عربشاه
315
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
فقالت : كذبت ؛ إنما غرت وسيبت وقمت وقعدت ، وبرقت ورعدت ؛ لفقدك الذهب الذي عنك ذهب ، وإنما كانت الغيرة الصحيحة ، والقومة المليحة الناهضة النجيحة القومة الأولى ، فإنها كانت والحق قد تجلى ، فلو قامت الخلائق لردك واجتهدوا في منعك وصدك لما ظفروا بك ، ولا قاموا بحروبك . وأما الآن فهذه الغضبة الفاجرة القبحة « 1 » التي حصلت بواسطة عدم الدينار ، فهي التي أثارت منك ما أثار فلو دنوت منى خطوة ، وتقدمت من مقامك رتوة « 2 » دققت عنقك ، وشققت زقّك « 3 » ، وقد قلت إني لا أضر ولا أنفع ولا أجلب ولا أدفع ، فأما المنفعة يا صلمعة بن قلمعة « 4 » ، فإنك رأيتها في الدنانير التي لقيتها فتقرر النفع يا مستحق الصفع . وأما المضرة فقسها على المنفعة يا أبا مرّة « 5 » . فإن الذي له قدرة على المبرة ربما يقتدر على الإيذاء والمضرة ، وإن شئت تقدم وجرب لتعلم ، واخبر واسبر وانظر كيف أنثر منك الرأس بهذا الفأس ، وحقق وصدق أن كتفك حملت حتفك ، فبهت الرجل وتحير وخاف وخار وقهقر ، وانقطع حبل رجائه ، وأفلت يتلفت إلى ورائه . وإنما ذكرت هذا ؛ لتعلم أيها الوزير المكرم ، أن كل أمر لا يقصد به وجه الله ، فإن عقباه الندم وإن حسن أو لاه ، وكل قصد ليس لغرض صالح فإن شجرة يأسه لا تثمر إلا الفضائح ، فتترك الشروع فيه أولى ، ومحو صورته من لوح الضمير أجلى ، ومن لم يترك ما لا يعنيه . وقع فيما لا يرضيه ، وحل به من الفضيحة ، والإيلام ما حل بذلك المفسد في مدينة السلام . فسأل الزنيم المشرقي البصير الإفريقي كيف تلك الفضيحة . ليأخذ منها لنفسه النصيحة .
--> ( 1 ) الفاجرة الكاذبة . ( 2 ) خطوة . ( 3 ) جلدك . ( 4 ) صلعمة بن قلمعة : مثل يضرب لمن لا يعرف أباه . ( 5 ) أبو مرّة : كنية الشيطان .