أحمد بن محمد ابن عربشاه

316

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

[ 53 ] [ قصة مفسد مدينة السلام : ] قال : كان في مدينة بغداد صانع حرير ، أستاذ خبير ، له جار سنى الجوار ، وزوجة تخجل البدر عند الكمال والشمس قبل الزوال ، وذاك الجار الجاني ، يدعى ابن الفرغاني . ففي بعض مطاره لمح زوجة جاره ، فتعلق قلبه بها واشتعل من هواها نار أحشائه بهبوبها ، فأخذ يلهو بها إلى أن أفسدها ، وإلى الضلال أرشدها ، وكان الزوج مغرما بها ، فوجد على حالها منبها ، فصار يراقبها من كلفه ، ولا يغفل عنها لشدة شغفه ، ويجتهد في كفها عن الخيانة ، وأن تحفظ الغيب وتؤدى الأمانة . ففي بعض الأوقات رأى بعض في الطرقات صيادا ومعه طير ، قد أوثق رجليه بسير ، فسأله عن طيره ، وإلى أين قصده في سيره ، فقال : هذا من الجوارح السوانح البوارح يحاكى الصوادح ، ويباكى النوائح ، وفيه سر عجيب ، وأمر غريب ، وهو أنه إذا كان في بيت ورأى فيه على صاحبه كيت وكيت أخبر زوجها خبره ، وقص عجره وبجره « 1 » ، وقد رغب فيه رئيس يشتريه فأنا ذاهب به إليه أقدمه لديه ، وأمتن به عليه ، فرغب فيه الحريري واشتراه ، وأتى به إلى داره وقال لزوجته : أكرمي مثواه ، وأحسني مأواه ؛ فإنه يخبر بكل ما رآه ، وهو من أحسن صفاته ، وأعجب أموره وحكاياته ، ومهما فعلت زوجة الإنسان ذكره على وجهه كما كان . فقالت : نحن بحمد الله في بركة ، آمنون مما ينقل عنا من حركة ، فإن رأى شيئا يهوله لا يكتمه بل يقوله ، فتركه الزوج وذهب ، فدخل الحريف « 2 » الملتهب ، فرأى المرأة وحدها والطير عندها ، فأخذ في المهارشة « 3 » ، ومد يده للمناوشة « 4 » ، فقالت : كف يدك واحفظ الذمام ، فإنه قد حصل علينا رقيب نمام ، فكف يدك يا حبيب لئلا نصاب ولا نصيب ، وتفكر في قول الشاعر المصيب : إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل * خلوت ولكن قل علىّ رقيب

--> ( 1 ) عيوبه . ( 2 ) الحريف : من مال عن الجادة وانحرف عن الطريق المستقيم . ( 3 ) الملاعبة . ( 4 ) المزاح .