أحمد بن محمد ابن عربشاه

260

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وإنما أوردت هذا المثال ؛ لتعلم فضيلة التأمل في المال ، والتفكر في عواقب الأحوال . قال الدب : دعنا من هذا الكلام والأخذ في الملام ، واسعدنى في التدارك فإنك نعم المشارك قبل انفلات العنان وانقلاب الزمان ، وخروج زمان التلافي من أنامل الإمكان ، وانتقال حل عقدته من اللسان والبنان إلى الأسنان . فقال مبارك الميلاد : الرأي عندي يا أبا قتاد ؛ المبادرة إلى الصلح والإصلاح ليحصل النصح والفلاح والأخذ في المصافاة ، وسلوك طريق الموافاة ، والعمل به باطنا وظاهرا والاستمرار عليه أولا وآخرا ، ومحو آثار العداوة وتناسي أسباب الجفاء والقساوة ، واستئناف المودة الصافية والمحبة الوافية ، وصرف القلب نحو دروس فقه الحلة الشافية والكافية ، حتى يقول من رأى وسمع : الحمد لله آلت العاقبة إلي العافية . ثم أعلم أنه لا يصفو لك صاحب وخاطرك عليه للتكدر مصاحب ، ولا يخلص لك صديق ولبن خلوص محبتك إياه مذيق « 1 » وقاطع بغضك في الطريق وشوك سعيك راكب التعويق ، والقلوب في المحبة تتجازى إن حقيقة فحقيقة وإن مجازا فمجازا ، وكل شيء بمقدار وميزان وكما تدين تدان ، وقلما تجد من تحبه ويبغضك ، وتربّه ويرفضك وتصفو له ويتكدر ولا تتغير عليه ويتغير ، ودونك يا ذا الكرامات ما قال صاحب المقامات « 2 » : وكلت للنحل كما كال لي * على وفاء الكيل أو بخسه

--> ( 1 ) الودّ لم يخلص فيه . ( 2 ) صاحب المقامات هو أبو محمد القاسم بن علي بن عثمان الحريري البصري ، أحد أئمة عصره ، ورزق الحظوة التامة في عملة المقامات ، وقد اشتملت على كثير من بلاغات العرب في لغتها وأمثالها ومن عرفها حق معرفتها استدل بها على فضل هذا الرجل وكثرة اطلاعه . سير أعلام النبلاء ( 4707 ) .