أحمد بن محمد ابن عربشاه
261
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وقال من أحسن المقال : والعين تعرف من عيني محدثها * إن كان من حزبها أو من أعاديها وأنا ما أقول هذا الكلام إلا من قول خير الأنام عليه أفضل التحيات وأكمل السلام : « الأرواح أجناد مجندة ، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف » « 1 » . وإنما يقع التعارف من الجهتين والتناكر من الطرفين ، ولا تغالط نفسك وتكابر حسك أن يحبك من تكرهه ، ويزينك من تشوهه ، ويقربك من تقصيه ويقيمك من ترميه ، ويرفعك من تضعه ويأخذ بيدك من تدفعه ، كما قيل في الأقاويل : والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا * ما لم يروا عنده آثار إحسان واعلم أن أغلب الإخوان في هذا الزمان مسلوب الإنسانية ، وإن كان في زي الإنسان من أحسنت إليه أساء ومن ترفقت له قسا ، ومن نفعته ضرك ومن أمنته غرك ، ومن سكنت أوامه « 2 » بزلال فضلك جرّك ، وقد أفاد صاحب الإنشاد : جزى اللّه عنّا الخير من ليس بيننا * ولا بينه ود ولا تعارف قاسمنا خسفا ولا شفنا أذى * من النّاس إلّا من نود ونألف وإذا كان هذا فيمن تحسن إليه وتسبغ ملابس أفضالك عليه ، فكيف يكون حال من تضمر له النكال وتتمنى وقوعه في شرك العقال ، أنّى تراه يصفو لك ويتقاضى سؤالك ومأمولك ، وهو مترقب غيله غولك « 3 » ، متوقع منك أن يصير مقتولك ، فما ذا عسي أن تبلغ منه سؤالك ومسئولك ، أو ترى من محبته ومودته مأمولك ومحصولك .
--> ( 1 ) الحديث أخرجه مسلم : كتاب الأدب ، باب الأرواح جنوده مجندة ( 155 ، 156 ) . ( 2 ) ألم الرأس . ( 3 ) مقتل وهلاك .