أحمد بن محمد ابن عربشاه

259

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

فسل السكين وقصد قتل ذلك المسكين وصمم على النزول إلى البيت وإثارة الفتن بكيت وكيت ، ثم استتاب وهلة واستراب عقله ، وأخذ يتفكر ويتأمل ويتدبر أحوال قرينته وأنها في العفة مجبولة من طينته ، وإنه لم يعلم عليها إلا الخير وعدم ميلها عن خلالها إلى الغير ، فطلب قبل الفضيحة لزوجته طريقة مندوحة ظريفة ممدوحة ، فإن مدة غيبته طالت وزوجته إن كانت حالتها حالت فلا بد أولا من الوقوف عليها كيف استحالت ، ثم كف عن الذبح ونزل عن السطح ، وقصد جارة داره ودارة جاره ، وطرق بابها واستنبح كلابها ، فخرجت إليه عجوز كانت إلى داره تجوز ، فسألت من هو وما مراده ومن أين إصداره وإيراده . فقال إني رجل غريب ليس لي بهذه البلدة خليل ولا قريب ، وبلادي أرض مكة كنت أتردد إلى هذه السكة ، وأعامل التجار وكان لي في هذه المحلة مجير وجار من التجار الكبار ، كنت آوى إليه وأنزل قدومي عليه ، اسمه فلان وقد مر علينا زمان ، وعاقنى عنه نوائب الحدثان ، والآن قدمت إلى هذا المكان وقد قصدت داره ولا أدرى أي جراد عاره ، ولم أعرف خبرا ولا رأيت عينا ولا أثرا ، فهل تعرفين كيف حاله ، وإلى ما ذا آل مآله . فقالت : نعم زالت عنه النعم وألجأته الحال إلى الترحال فرحل منذ سنين وكنا في جواره من الآمنين ، وانقطع عنا خبره وعن زوجته عينه وأثره ، وطال عليها منظره فدعتها الضرورة والإعدام إلى عرض حالها على الحكام ، فأذن لها قاضى بلخ في إبطال نكاحها بالفسخ ، ففسخت نكاحها وأعتدت ، وطلبت نصيبها واستدت ، ولقد أوحشنا فراقه وألمنا اشتياقه ؛ غير أن زوجته قامت مقامه وأفاضت علينا إحسانه وإنعامه ، وهي متشوقة إلى رؤيته متشوقة إلى مطالع طلعته ، متلهفة على أيام وصاله ، متأسفة على ترشف زلاله . فلما وقف علي صورة الحال ؛ سجد شكرا لله ذي الجلال وحمد لله على الثبات في مثل هذه النائبات .