أحمد بن محمد ابن عربشاه

258

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

الضرب حتى انتهى إلى بلاد الغرب ، فأقام بها دهرا يتعاطى معاملة وتجرا ، إلى أن زاد ماله وأثرى ورجع إليه بعض ما ذهب من يديه ، ثم اشتاق إلى بلده ورؤية زوجته وولده ، فتجهز إليها وسار حتى نزل عليها ، وأراد الدخول إلى داره فأوقفه مشيرا افتكاره إلى إعمال النظر في حادث القضاء والقدر وأنشده الزمان بلسان البيان : للكون دائرة من قبلنا صنعت * لا بي تضيق ولا من أجلك اتسعت والسر في جيب غيب اللّه مكتتم * فلست تدرى يد التقدير ما صنعت فرأى أن يدخل متنسيا متنكرا متخفيا ، ويتوصل إلى داره ويتجسس أحوال كباره وصغاره ، وما حدث عليهم من الحوادث وتقلبات الزمان العائث ، فتوجه لما أظلم إلى داره وهو يترنم : باللّه قل لي خبرك * فلىّ زمان لم أرك إلى أن وصل إلى الباب وما عليه حاجب ولا بواب ، فرأى الباب مقفلا والقنديل عليه مسبلا ، وكان يعرف للسطوح دربا خفيا فاستطرق منه وارتفع مكانا عليا ، وأشرف من الكوة « 1 » ، فرأى ربة البيت المرجوة فوق سرير الأمان ، معانقة فتى من الفتيان ، كأنهما لفرط العناق كانا ميتين من ألم الاشتياق ، فبعثتهما قيامة التلاق فتلازما والتفت الساق بالساق ، ولسان حال كل منهما يروى عنهما : عانقت محبوب قلبي حين واصلني * كأنّنى حرف لام عانقت ألفا فتبادر إلى وهلة لغيبوبة عقله ؛ أن ذلك الشاب الظريف معاشر حريف ، أفسد زوجته مغتنما غيبته ، وأنه في تلك الليلة استعمل قوله : لا تلق إلّا بليل من تواصله * فالشمس نمامة واللّيل قوّاد

--> ( 1 ) الكوّة : الفتحة في الجدار أو السقف .